فهرس الكتاب
غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِالْقُرْآنِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ [1] .
فالْأَوَّلُونَ رَاعَوْا الْمَعْنَى الَّذِي رَأَوْهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ [2] .
والْآخَرُونَ رَاعَوْا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَمَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَرَبِيُّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ
(1) تقدم التنبيه على خطورة تفسير القرآن بمجرد ما يسوغ لغة، وإعرابًا، وفي هذا المعنى يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد (3/ 27 - 28) :"وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما؛"
فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره؛ وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن.
مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ (والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) بالجر: إنه قسم.
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى (وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) : إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به.
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما انزل من قبلك والمقيمين الصلاة) : إن المقيمين مجرور بواو القسم.
ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وأوهى بكثير.
بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عُرْفِه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ، وأجلها، وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها، التي يعجز عنها قدر العالمين؛ فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم.
فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله"اهـ"
وتقدم في أول هذا الشرح ذكر كلام ابن هشام في (مغني اللبيب) ص684، فقد تأتي أوجه من الإعراب للألفاظ تسوغ لغة ونحوًا ولكن لا تسوغ تفسيرًا؛ حيث ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في الباب الخامس الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها وهي عشرة، الجهة الأولى: أن يراعي ما يقتضيه ظاهر الصناعة و لا يراعي المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك"اهـ"
فإن قيل: القرآن نزل بلسان عربي مبين، فلماذا كان هذا خطئًا؟
فالجواب: لأنك لا بد أن تلاحظ خصوصية اللفظ القرآني والنبوي، فكم من لفظ جاء تفسيره ومعناه في لسان الشرع، وهو أدرى بمراده، وكم من لفظ يجرى على معنى في عرف الصحابة غيره في عرف اللغة، فالهجوم على تفسير اللفظ الوارد في النص الشرعي بمجرد المعنى اللغوي يلغي المعهود الشرعي أو العرفي للفظ الذي هذا سبيله.
وبعبارة أخرى: الذي ينتج - من الهجوم على تفسير الألفاظ الشرعية بمجرد المعنى اللغوي دون البحث عن الحقيقة الشرعية والعرفية - إهمال المرادات الشرعية، وضياع المعنى الشرعي في تفسير اللفظ، وقد فصلت الكلام في هذه القضية في كتاب مفرد، مع إيراد أكثر من خمسين لفظة جاءت في الشرع لم يراع في تفسيرها هذه القاعدة فشاع عند الناس تفسيرها بغير المراد منها شرعًا، وكان ذلك سببا في تسويغ بعض البدع، واسمه"الحقيقة الشرعية في تفسير ألفاظ القرآن والسنة النبوية"، وهو مطبوع ولله الحمد.
فليس كل ما جاز لغة جاز تفسيرًا، وهناك قوم من المفسرين يستندون في تفسيرهم على الاستدلال، يفسرون الآيات والأحاديث بحسب اللغة، فنتج عن هذا إهمال المرادات الشرعية؛ فأضاعوا الحقائق الشرعية للألفاظ، وأضاعوا الحقائق العرفية للألفاظ، وبالتالي صار عندنا تفسير قرآن ليس هو التفسير الذي أراده الله سبحانه وتعالى.
وهذا من أكبر الأخطاء في الكتب الصغيرة التي تسمى (كلمات القرآن) ، فإن أغلب الذين يفسرون في كلمات القرآن يفسرون من حيث اللغة، وقد سبق ذكر أمر آخر يقع في مثل هذه الكتب وهو: أنه قد يأتي للفظة القرآنية أكثر من معنى وهو لا يورد إلا معنى واحدًا، فيتحكم في ذلك، وقد يكون هذا المعنى الواحد بعض المراد لا كله، وهذا قصور!
(2) الأولون هم الذين حملوا ألفاظ القرآن على اعتقادهم. وسيأتي للمصنف ذكر أمثلة لتفاسيرهم الباطلة.