الصفحة 73 من 94

وَلِسِيَاقِ الْكَلَامِ.

ثُمَّ هَؤُلَاءِ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلِينَ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الآخرون، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الْأَوَّلِينَ إلَى الْمَعْنَى أَسْبَقَ وَنَظَرُ الآخرين إلَى اللَّفْظِ أَسْبَقُ.

وَالْأَوَّلُونَ صِنْفَانِ: تَارَةً يَسْلُبُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ.

وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ.

وَفِي كَلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ مَا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إثْبَاتَهُ مِنْ الْمَعْنَى بَاطِلًا فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ.

وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ [1] .

وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ وَقَعَ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ [2] .

(1) الذين يحملون النصوص الشرعية على ما يعتقدونه، لهم ثلاث أحوال:

الحال الأولى: أن تكون عقيدتهم باطلة وبالتالي استدلالهم باطل.

الحال الثانية: أن يكون المعنى الذي يريدون حمل النص عليه صحيحًا، لكن طريقة استدلالهم باطلة.

الحال الثالثة: أن يكون المعنى صحيحًا واستدلالهم صحيحًا، فلم يتجاوزوا فيه معنى القياس والاعتبار.

وهذا مثل ما ذكره شيخ الإسلام في غير هذا المحل في التفسير الإشاري، التفسير الإشاري هو تفسير الصوفية، يأتون إلى الآيات فيقولون: هذه الآية فيها إشارة إلى كذا، فيها إشارة إلى كذا، ويأتون بمعانٍ.

(فائدة أصولية) : للألفاظ منطوق ومفهوم، المنطوق خمسة أنواع: النص والظاهر والمؤول والاقتضاء والإشارة.

ما هي الإشارة؟ هي ما يسمى عند المناطقة: بـ (دلالة اللزوم) بأن يدل اللفظ على شيء خارج معناه، ولكنه لازم له.

دلالة الإشارة من دلالة المنطوق، وهي طريقة التفسير الإشاري. مثلًا: حينما يذكر أصحاب التفسير الإشاري معنى صحيحًا واستدلالًا صحيحًا، فيقولون: إن المعاني الصحيحة والفقه الصحيح للدين لا يأتي أصحاب القلوب المتدنسة بالدنيا وشهواتها، هذا أخذوه إشارة من قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) ، وأخذوه إشارة من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة) ، فهذا المعنى إذا جاءوا به من باب القياس والاعتبار، فإن يُقبَل منهم، هذا تفسير إشاري مقبول.

ولا شك أن هذا التفسير الإشاري المقبول ليس هو موضع الخطأ، ولذلك اقتصر شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على ذكر النوعين الأولين:

الذين يأتون بمعنى باطل، واستلالهم باطل.

والذين يأتون بمعنى صحيح ولكن باستدلال باطل.

وسكت عن النوع الثالث، لأنه خارج الموضوع.

(2) هذا أصل مهم. كل ما تكلم به العلماء في القرآن؛ مثله يأتي في الحديث، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"؟! إلا ما اختص به القرآن مما دلَّ الدليل على اختصاصه؛

في القرآن يوجد محكم ومتشابه، وفي الحديث فيه كذلك.

وفي القرآن يوجد أسباب نزول وفي الحديث كذلك، وهي أسباب ورود الحديث.

في القرآن الكلام عن نزوله والوحي به، وفي السنة كذلك، يقول حسان بن عطية - وهو أحد التابعين الثقات:"كان جبريل ينزل بالسنة كما كان ينزل بالقرآن". وحديث يعلى بن أمية لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن رجل أحرم وتضمخ بطيب في إحرامه ما الذي يصنع؟ فأغفى إغفاءة - صلى الله عليه وسلم - تعتريه عندما يوحى إليه، ثم قال: أين السائل آنفًا؟ قال له أنا يا رسول الله؟ قال: انزع ثوبيك واغسلهما ثم البسهما واصنع في عمرتك ما أنت صانعه في حجك" [البخاري ومسلم] ، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -، أنه أثبت أنها فتوى وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم كانت وحيًا، فكان يوحي إليه بالسنة وبالأحكام، ويكفي قوله صلى الله عليه وسلم:"إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه"."

كلام شيخ الإسلام في قضية التفسير وأنه على نوعين، تفسير بالرواية، وتفسير بالدراية، ومثله يأتي في الحديث وشرحه. تقرأون كتب ابن رجب في شرح الحديث وأشهرها جامع العلوم والحكم في شرح الأربعين النووية مع زيادات له، رحمه الله،، هل هي مثل كتب ابن حجر في شرح الحديث؟ ألا تلاحظون أن هناك اختلافًا في الأسلوب؟ جامع العلوم والحكم، ألا تلاحظون أن ابن رجب صيغته في الشرح الإكثار من إيراد الروايات عن السلف والتابعين والصحابة وغيرهم في تفسير الحديث أكثر من طريقة ابن حجر.

والأجزاء الحديثية التي عند أهل الحديث هي من طرق شرح الحديث، سواء كان الجزء في مسألة بعينها وما ورد فيها، أم كان في روايات حديث بعينه، فيأتي بالحديث الواحد ويجمع كل الأحاديث المتعلقة به، مثل: (جزء القراءة خلف الإمام) ، و (جزء رفع اليدين) ، فهذه تعتبر شروح للأحاديث الواردة في هذا الموضوع عن طريق الروايات وعن طريق أقوال السلف وعن طريق كلام الصحابة والتابعين في هذا الموضوع، مثل التفسير بالمأثور، فإن زاد المحدِّث على إيراد الروايات المرفوعة والآثار الموقوفة أو المقطوعة عن التابعين كلامًا منه في البيان، مثل ما يصنع الطبري مثلًا في: (تهذيب الآثار) ؛ فهذا يعتبر شرح بالدراية، وانظر مصداق كلامي في كتاب شرح معاني الآثار للطحاوي.

أي شيء يأتي في خاطركم في القرآن الكريم، مثله يأتي في السنة إلا ما استثناه الدليل، حتى قضية الإعجاز في القرآن موجودة أيضًا في السنة، ولكن بما يلائم السنة، فإن القرآن معجر في ألفاظه، ولكن السنة معجزة من جهات أخرى:

الجهة الأولى: ما تضمنته سنته - صلى الله عليه وسلم - من الفصاحة والبلاغة.

الجهة الثانية: ما تضمنته سنته - صلى الله عليه وسلم - من الإخبار عن أمور غيبية.

الجهة الثالثة: ما تضمنته سنته - صلى الله عليه وسلم - من الآيات التي رآها الصحابة حسًا.

الجهة الرابعة: ما تضمنته سنته - صلى الله عليه وسلم - من تشريعات تخرج عن حد قدرة البشر، يشهد بصدقها وصلاحيتها وإصلاحها للبشرية جمعاء الواقع يومًا بعد يوم إذًا السنة فيها أيضًا إعجاز كما في القرآن.

هذا الأصل مهم جدًا ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم فإنه يعينهم على فهم السنة وعلى فتح أنواع كثيرة من أنواع الحديث غائبة عن الأذهان.

وهناك أنواع كثيرة من أنواع الحديث غائبة عن الأذهان يمكن استخراجها من خلال مقارنتها بعلوم القرآن، يأتي للنوع من علوم القرآن الموجود في علوم القرآن ويستخرج مثله في السنة.

وكان عند الشيخ بكر أبو زيد - عافاه الله - مشروع اسمه (مد علوم الحديث) يعني: زيادته، أقول: من الطرق التي تستطيع أن تمد بها علوم الحديث أن تنظر في أنواع علوم القرآن وتصنع مثلها في السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت