فهرس الكتاب
أو كيلو بكيلو وزيادة فضةً بفضة فإنه يقع ربا الفضل، وهذا بالمصارفة، وكان في القديم صرف درهم بدرهمين، ودينار بدينارين فهذا من ربا الصرف تفاضلا، فلو أنه أعطاه درهما من الفضة الآن، وقال الآخر: غدا أعطيك الدرهم، صار ربا نسيئة، ولو أنه قال له: اصرف هذا الدينار من الذهب، أو خذ هذا الكيلو من الذهب وأعطني بدلًا منه كيلو ونصف. قال: غدا أعطيك، وقع ربا الفضل وربا النسيئة معا؛ وبناءً على ذلك يعتني العلماء-رحمهم الله- ببيان مسائل:
الصرف مع الربا؛ لأن كثيرًا من المصارفات، التي لا تقع على السبيل، والسنن الشرعي يقع فيها خلل الربا، ومن هنا يَقْرن العلماء باب الصرف بباب الربا، وإلا فالأصل أن الصرف نوع من أنواع البيوع: كصرف العملات، ومبادلة العملات؛ سواء اتحدت أو اختلفت نوع من البيوع، فلو أن شخصًا عنده عملة كالدولار وأراد أن يصرفها بالريالات، فصرف الدولار بالريال وقبض فهذا بيع، والأصل أنه مشروع وجائز، متى ما وقع على السنن الشرعي، وتحققت فيه الشروط المعتبرة للصحة والجواز، لكنه قُرِن بالربا لوجود هذا الذي ذكرناه، من أن غالب صور بيع الصرف إذا خرجت عن السنن أوقعت في الربا.
يقول المصنف-رحمه الله-:"باب الربا والصرف": مناسبة هذا الباب أنه من جملة البيوع المحرمة، التي حرمها الله ورسوله-عليه الصلاة والسلام-
بل قال بعض العلماء: إن الربا محرم في جميع الشرائع السماوية، ولم تحله شريعة؛ ولذلك عتب الله على بني إسرائيل أنهم أكلوا الربا، وأخذوا الربا، وهذا يدل على أن تحريمه ليس خاصًا بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
والأصل في تحريمه: صريح قوله-تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وقال-تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ @ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} فبين الله تعالى تحريم الربا حينما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} وذروا بمعنى: اتركوا، والتعبير بهذه الصيغة يدل على حرمة المأمور بتركه، كما قال-تعالى-: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} فذر: من صيغ التحريم، وهي تدل على الترك، وإذا أمر الله بها معناه أنه يجب على المسلم أن يترك.