فهرس الكتاب
وقوله-تعالى-: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} دل على أن من تقوى الله ترك الربا، وأن من ترك الربا واجتنبه فقد اتقى ربه، وأن من استخف بالربا، وأكله وأخذه ولم يبالِ به فإنه غير متق لله - عز وجل -.
وقوله-تعالى-: {إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} دل على أن المؤمن هو الذي يترك الربا، وأن الإيمان يزع صاحبه، ويأمره باجتناب الربا وتركه.
وقوله-تعالى-: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وعيد شديد يدل على تحريم الربا، وشدة أمره، فهو-سبحانه- لم يقتصر على قوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وهذا كاف في تحريم الربا، ولكنه قال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فبين العقوبة المترتبة على ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى الله عنه من الربا، وهذا كما يقول العلماء: تغليظ، وتأكيد لتحريم الربا، ووازع ديني، وأسلوب مؤثر، أسلوب رباني حكيم مؤثر في قلوب المؤمنين، فإن المؤمن حينما يسمع قول الله - عز وجل: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ما قال الله هذا في الزنا، ولا في شرب الخمر، ولكن في الربا قال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وإذا آذن الله عبده بحرب فلا تسأل عن حاله؟! يحاربه في دينه، فلا يسلم من فتنة إلا وقع في غيرها أو في أعظم منها، ويحاربه في دنياه فتمحق بركة ماله كما قال-تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} وهذه من العقوبات المترتبة عليه، وقل أن تجد أحدا أراد أن يستكثر ماله بالربا، إلا نزع الله البركة من ماله، فكثيره قليل، ولو صبت في حَجْره أموال الدنيا كلها؛ فإن الله - عز وجل - جعل العبرة في الأموال وصلاح الحال بالبركة، فإذا نزعت البركة من الشيء؛ فإن وجوده وعدمه على حد سواء، وقد يكون وجوده بلاءً على العبد؛ فالعبرة بالبركة، فإذا محقت البركة من الشيء؛ فقد جاء شره وولى خيره: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ} والتعبير بالحرب بأسلوب لُغوي، عربي، فصيح، بيِّن في شدتها وعظمها؛ لأنها نكرة، ولم يقل: فأذنوا بالحرب. وإنما قال-تعالى-: {فَاذَنُوا بِحَرْبٍ} والمحارَب سيؤتى من حيث لا يحتسب. {فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ} فإذا حارب الله عبده؛ فلا يسأل عن حاله-والعياذ بالله-. وقوله: {وَرَسُولِهِ} : يدل على أنه يُعاقَب، وأنه لا يجوز للمرابي أن يرابي ويقع في الربا، وأن للوالي أن يعزره؛ ومن هنا أطبق العلماء والأئمة على أنه لو تعامل تاجر مع غيره بالربا وجب على القاضي أن يعزره وأن يعاقبه؛ لأن الله يقول: {بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وقال -تعالى- مبينًا حرمة الربا: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ