فهرس الكتاب
تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ في قوله: {لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} : نهي، والنهي يدل على التحريم، وهذه الآية يتتبعها من في قلبه مرض-نسأل الله السلامة والعافية- فيقول: الربا المحرم هي: الفوائد المركبة الكثيرة؛ لأن الله يقول: {لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} وما كان من الربا من الفوائد اليسيرة فإنه لا يدخل في التحريم! ولهذا ذكر العلماء-رحمهم الله- أن من أكل الربا، وابتلي بالربا منكسرَ القلب ونادمًا، يقول: إنه حرام، وإنه عاص لله أخف عند الله جرمًا ممن يأكله ويقول: هو حلال، فإن الذي يستحل فقد استحل ما حرم الله - عز وجل -، وأجمع العلماء على أن استحلال ما ضرب النص القطعي بتحريمه كفر-والعياذ بالله-، ومن هنا قالوا: إن الفوائد اليسيرة جائزة؛ لأن الله يقول: {لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} فإن كانت الفوائد قليلة؛ فإنها جائزة.
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال:
أولًا: إن الآية خرجت مخرج الذم والتقريع والتنفير فلم يعتبر مفهومها يعني: أن الله يقول: لما كان ربا الجاهلية يعطي الرجل الدَّين مائة دينار، فإذا حَلّ الأجل يقول له: ادفع أو زد في الأجل وزد في الفائدة، فيقول: أنظرني سنة وأزيدك عشرة دنانير، ثم إذا جاء في نهاية السنة أصبحت المائة مائة وعشرة، فيقول: ما عندي سداد، فيقول: زد وتأجل، فأصبح أضعافا مضاعفة؛ فالله - عز وجل - جعل الآية خارجة مخرج التقريع والتوبيخ والتأنيب؛ لأنها استغلال من الأقوياء للضعفاء والفقراء، وفسرتها آية البقرة حينما قال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} فالله يعاتب أهل الربا أنهم يضيقون على الناس، ويجحفون بالناس؛ فيقول لهم: {لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} أي: ما كفاكم ارتكابًا للربا أن تأكلوه المرة بعد المرة، هذا وجه.
والجواب الثاني: قال بعض العلماء: بل إن الآية تحرم الربا في الفائدة القليلة والكثيرة؛ لأنه لما قال: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} لأن المراد بها أن الشخص إذا أخذ الربا لشهر واحد أو لفائدة يسيرة؛ فقد استحل أن يأخذه أضعافا مضاعفة ولو لم يأخذه؛ كما قال: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} فمن أكل الفائدة اليسيرة سيأكلها أضعافا مضاعفة؛ لأن الفائدة اليسيرة تقود إلى الكبيرة، وكما استحل اليسير فإنه يستحل الكثير، كذلك من