فهرس الكتاب
استحل دمًا واحدًا فإنه يستحل الدماء، ومن عظَّم الدم الواحد فامتنع من قتله؛ فكأنما أحيا الناس جميعا؛ لأنه لا يقتل دما، لا يسفك دمًا حرامًا. ومن هنا قالوا: إن الآية خرجت هذا المخرج. هذا الجواب الثاني.
الجواب الثالث أن نقول: وهو من أقوى الأجوبة: أن يقال: إن قولكم إن الآية الكريمة تدل على حل الفوائد، نقول: آية آل عمران: {لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} دلت على حرمة أكل الربا أضعافا مضاعفة، وآية البقرة دلت على حرمة أكل الربا مطلقًا؛ سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فإن استدللتم بآية آل عمران؛ فاستدلال بالمفهوم لا بالمنطوق، وآية البقرة تحريم الربا فيها لكل الربا قليلًا كان أو كثيرًا إنما هو المنطوق؛ من صريح قوله -تعالى-: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} فهم لما يقولون: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} يقولون: نفهم من قوله: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} أنها إذا لم تكن أضعافًا؛ فهي حلال؛ فهذا يسميه العلماء: المفهوم، وبناءً على ذلك القاعدة:"أنه إذا تعارض المنطوق والمفهوم فإنه يُقدم المنطوق على المفهوم"، وبناءً عليه فإن هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يأكل الربا، وجاءت النصوص في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على حرمة الربا والنهي عنه: فجاء عنه-عليه الصلاة والسلام- الوعيد الشديد في أكل الربا حتى صح عنه أنه: (( لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ) )وهذا يدل دلالةً واضحةً على حرمة الربا، وأن حرمته من الكبائر أي: أنه من كبائر الذنوب وليس من صغائرها، ومن هنا أجمع العلماء على أنه من كبائر الذنوب، وجاءت الأحاديث كما في حديث الباب: حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء ) )، وكذلك - أيضًا - حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - المتقدم، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في الصحيح: (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبًا منها بناجز ) ).
وثبت عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه نهى عن الربا في آخر حياته، فكانت السنة على تحريمه إلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويدل على ذلك خطبته في حجة الوداع التي اختار-عليه الصلاة والسلام- فيها أن يبين الأمور العظيمة؛ لأن هذه الخطبة جمعت مقاصد الإسلام، وبينت ما أحل الله وما حرم، والأصول