فهرس الكتاب
صحيحة.
أما ابن عباس - رضي الله عنه - فقد اختلف فيه العلماء: هل رجع عن فتواه في ربا الفضل أم لم يرجع؟
وذلك على ثلاثة أقوال:
قول: إنه رجع. وقول: إنه لم يرجع. وقول: بالتوقف.
والصحيح أن ابن عباس-رضي الله عنهما- توفي وهو يقول: بفتواه ولم يرجع عنها. ويدل على ذلك رواية سعيد بن جبير في الصحيحين، وسعيد بن جبير من أقرب الناس إلى ابن عباس-رضي الله عنهما-، وأعلم الناس بفقهه وعلمه، حتى كان سعيد بن جبير بعد وفاة ابن عباس يفتي بفتواه، وكذلك عطاء، ثم انقرض هذا القول إلى قرابة القرن الرابع كما أفاده المحققون.
قال: سعيد بن جبير-رحمه الله-: سألت عبدالله بن عباس قبل أن يموت بشهر عن درهم بدرهمين، فوالله، الذي لا إله إلا هو ما رجع عن قوله بجوازه. ومعلوم مكانة سعيد-رحمه الله- وفقهه ومكانته وورعه-رحمه الله برحمته الواسعة-.
وعلى كل حال رجع ابن عباس أو لم يرجع فليُعلم أن الحجة في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولابن عباس - رضي الله عنه - عذره فيما أفتى به؛ لأنه تأول حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - وعن أبيه-، وسنبين شبهته وجوابه، ثم إن القاعدة عند العلماء:"أن الصحابي إذا خالفه من هو أعلم منه وأكبر منه فإنه يقدم قول الأكبر والأعلم على قول من هو دون ذلك"، وهذه القاعدة يسلم بها حتى ابن عباس-رضي الله عنهما- كما سنبينه.
والشبهة التي جعلت ابن عباس-رضي الله عنهما- يقول بجواز ربا الفضل أنه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا ربا إلا في النسيئة ) )وفي لفظ: (( إنما الربا في النسيئة ) )فهو يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حصر الربا في النسيئة؛ فدل على أن ربا الفضل لا بأس به.
وهذا الحديث أجيب عنه من وجوه - يجاب عن هذه الشبهة من وجوه - سندًا ومتنًا:
أما من جهة السند فإن قول ابن عباس-رضي الله عنهما- بها جاء بواسطة، وهذه الواسطة من صغار الصحابة: وهو أسامة بن زيد-رضي الله عن الجميع-، وأحاديث تحريم ربا الفضل من رواية أكابر الصحابة: فهي من رواية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه-، ورواية أبي موسى الأشعري، وكذلك أبي أسيد الساعدي