فهرس الكتاب
وهناك جواب ثان للمتن: أن حديث: (( إنما الربا في النسيئة ) )عارض الأحاديث الأُخر المحرمة؛ فهو يحل ربا الفضل وغيره يحرم. والقاعدة:"إذا تعارضت أحاديث تفيد الحل وأحاديث تفيد الحرمة فإن العمل بأحاديث الحرمة"؛ لأن أحاديث الحل باقية على البراءة الأصلية، وأحاديث الحرمة نقلت عن البراءة الأصلية فجاءت بعلم زائد، ولذلك يقدم الناقل على المبقي من هذا الوجه.
كذلك من الأجوبة التي يجاب بها عن حديث: (( إنما الربا في النسيئة ) ): أنه خرج مخرج التعظيم أي: أشد ما يقع الربا في النسيئة، وهذا الجواب جواب صحيح؛ لأننا عهدنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يعظم الشيء ويبالغ فيه، من باب بيان فضله أو بيان شدة حرمته (تأكيد حرمته) . ومن هنا قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( الحج عرفة ) )فقوله: (( الحج عرفة ) ): ليس معناه أن يترك الإنسان المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ويقول: (( الحج عرفة! ) )نقول: إن الحج عرفة خرج مخرج التعظيم أي: أن مقاصد الحج العظيمة، وأعظم ما يكون الحج في يوم عرفة؛ لأنه ركن الحج الأعظم، وهذا لا ينفي ما عداه. فنقول: أشد ما يقع الربا في النسيئة، وهذا لا يقتضي إلغاء الربا عما عداه.
كذلك من الأجوبة التي أجاب بها العلماء-رحمهم الله- وأئمة السلف ومنهم: الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي أن حديث: (( إنما الربا في النسيئة ) ): خرج مخرج الجواب عن سؤال، أي: أنه سئل-عليه الصلاة والسلام- عن مسألة فيها ربا النسيئة، فقال: (( إنما الربا في النسيئة ) )أي: هذا الذي تسألني عنه هو الربا؛ لأن السائل دائمًا يسأل وكأنه لا يرى شيئًا فيما يسأل عنه. فكأنه يقول: حضر الصحابي الجواب ولم يحضر السؤال، فحكى ما سمعت أذناه ولم يحكِ سبب الحديث! وعند العلماء قاعدة:"أن مفهوم الحديث لا يعمل به في الأحاديث التي وردت جوابًا عن سؤال"؛ لأن ما ورد جوابًا عن سؤال لا يقوى إعمال مفهومه كما هو مقرر في علم الأصول.
وعلى كل حال صارت مسالك العلماء: الحكم بالنسخ، ثم الجمع بين أحاديث الحل والتحريم، ثم الترجيح فهذه ثلاثة مسالك:
النسخ كما يختاره الإمام الحميدي صاحب المسند-رحمه الله-، وقوله قوي ووجيه، وقلنا: إنه من أقوى