فهرس الكتاب
المحرمات، والوسيلة إلى كبائر الذنوب: كالربا، والزنا، وشرب الخمر، ونحوها ... كلها تتعاظم بعظم الذنب.
فإذًا الذي يعطي يعين، والإعطاء وسيلة إلى تحريم الربا، وإن كان في التوبة من أخذ الربا لا تتم توبته إلا برد الزيادة والفائدة إلى صاحبه، ومن أعطى الربا فإنه تتم توبته بالتوبة والاستغفار؛ لأنه أعطى الربا ولم يأخذه. فهناك فرق بين الأمرين، لكن مع هذا كله فالتشريك في الإثم لا إشكال فيه، وهو ظاهر.
يقول المصنف-رحمه الله-:"باب الربا والصرف": عَظَّم السلف-رحمهم الله- أمر الربا، حتى إن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- بلغها عن بعض الصحابة أنه تعامل بمعاملة فيها الربا، فأرسلت إليه أن أخبر فلانا أن جهاده وهجرته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حبطت، ثم تبين لها أن الذي نقل لها غير صحيح، وأنه لم يفعل ذلك، ولكن انظر كيف عظمت أمر الربا بهذا التعظيم، وشددت على من فعله.
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه- يُقيم مِن السوق مَنْ لا يعرف أحكام الربا، ويقول: إما أن يُربي، أو يوقع غيره في الربا. كل هذا تعظيما لأمر الربا وشأنه، وحذرا منه، ولا يتساهل أحد في أمر الربا؛ فقليل الربا وكثيره سواء. فالمحرمات أمرها عظيم؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (( ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام ) )وفي رواية الصحيح: (( فقليله حرام ) )فجعل القليل والكثير في حكم الله - عز وجل - واحدًا.
فعلى المسلم أن يعظم ما عظم الله ورسوله-عليه الصلاة والسلام-، وينبغي الحذر من طلاب العلم وممن يفتي في مسائل المعاملات التي تشوبها شائبة الربا، فكل واحد تعرض عليه مسألة، وواجب على كل طالب علم تعرض عليه مسألة في: الصرف، وفي الأخذ والعطاء لم يُحْسنها ولم يَضْبطها ضبطًا تامًا على أهل العلم أن ينكف ويمتنع عن الجواب فيها؛ فإنه ربما أحل للناس ما حرم الله، وربما أحل لهم الربا. فبعضهم يقول: ما أرى في هذا بأسًا، ولا يظهر لي في هذا شيء! وهو ليس من أهل العلم الراسخين الذين جمعوا أصول المعاملات حتى يكون قوله: ما أرى بهذا بأسًا حجة! إنما يكون قول: ما أرى بهذا بأسًا لمن له رسوخ، وضبط للمسائل، وإلمام، حتى يبنى على قوله.
كذلك - أيضًا - ينبغي على الناس أن يحتاطوا لدينهم، وأن يستبرئوا لدينهم وعرضهم، وأن يتقوا الله - عز وجل - في معاملاتهم لبعضهم؛ فلا يتتبعوا رخص العلماء، ولا يستخفوا بما عظّم الله - عز وجل - حينما تأتيهم الفتوى من عالم له إلمامه، وضبطه لمسائل العلم، وله مكانته في الفقه والفتوى؛ فيقول: هذا حرام، ويأتي