الصفحة 123 من 254

الاصطلاحية اجتهاد، والاجتهاد يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة-فنسأل الله السلامة والعافية- مما زين الشيطان أنه لا يسوغ الاجتهاد، إلا بتحليل ما حرم الله، تغير الاجتهاد بتغير الأزمنة والأمكنة ليس هذا محله.

أولًا: هذه المسألة محل نظر عند العلماء وهي أصلًا ليست مقبولة؛ لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} فهو باق ما بقي الزمان؟ وتعاقب الملوان، لا يغير ولا يبدل، ولذلك قال الله - عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} فالدين ما يبدل، ولكن قالوا: الاجتهاد يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، هذه المسألة إذا كان سبب الاجتهاد مقيدًا بالعرف، أو مقيدًا بسببٍ يتغير بالزمان والمكان، تتساير هذه الشريعة مع الوضع؛ لأنها تحرم لسبب، ويعظم التحريم بتعظيم السبب، ويزول التحريم بزوال السبب، هذه أمور لها ضوابطها لا يفتي فيها كل أحد، مثلًا تجد العلماء ربما يوسع في أمر ضاق، أو يضيق في أمر اتسع، وهذا راجع إلى اختلاف الأزمنة والأمكنة، بل تجد الفقيه في مكانه يفتي بحرمة الشيء، تغليظًا وزجرًا، ولكنه لا يغلظ في التحريم والزجر في مكان آخر، بحيث يجد من الفتن والإحاطة، فتجده في مكان تعظم فيه الفتن يخفف على من يقع في هذا المحظور، وإن كان في الأصل يحكم بحرمته، ويجزم بأنه محرم، ولكنه لا يعامل من كان على سعة من أمره. فهذه كلها أمور مقيدة بضوابط عند العلماء-رحمهم الله- لا يمكن أن يقبل فيها قول كل أحد.

وعلى كل حال ليس بغريب أن يجد ولي الله المؤمن الغربة في الأحكام الشرعية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بهذا وبين هذا، ومن هنا يعظم أجر المتمسك بالحق، ومن هنا يعظم توفيق الله له، ويعظم ثوابه وحسن العاقبة له، وهذا معنى قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إن ورائكم أيام الصبر للعامل فيها مثل أجر الخمسين ) )، قالوا: يا رسول الله، منا أو منهم، قال: (( بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعوانا، وهم لا يجدون على الحق أعوانا ) )فقل أن تجد اليوم مسألة من المسائل محرمة يدخل العبد الصالح على زوجته وولده يقول لهم: والله، هذه حرام؛ إلا ووجد قولا يقول بحلها. فليحلل من شاء وليحرم من شاء! فلا يبقى إلا الحق؛ فأما الزبد فيذهب جفاء، ولا يبقى إلا الصدق، ولا يمكن أن يستقيم أمر على عوج؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يتمسك بدين الله، وأن يستعصم بحبل الله له، وأن يختار لدينه ومسائل عباداته ومعاملاته من يثق بدينه وأمانته من أئمة السلف-رحمهم الله- والتابعين لهم بإحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت