فهرس الكتاب
المعنى موجود؛ وبناءً على ذلك لن تجد شخصًا يصرف العشرة بتسعة مختارًا طائعًا أبدًا. لولا أنه مضطر أن يتصل أو ملجأ إلجاءً أن يأخذ هذا النقد - النيكل النحاس - لما صرف ولا رضي لنفسه أن يصرف، وبناءً على ذلك يكون صاحب العشرة مظلومًا؛ ومن هنا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أرأيت لو منع الله الثمرة فبأي حق تستحل أكل مال أخيك؟! ) )يعني الآن الريال الزائد على الصرف تسعة بتسعة صرفها بعشرة، بأي حق يؤخذ هذا الريال! قال: تعبه أنه صرف، نقول: الشريعة حرمت الصرف، ولم تعط الصراف شيئًا. في القديم يأتي الصراف لصرف الدنانير بالدراهم، ولم يعطِه الله ورسوله حقًا؛ فدل على أن الصراف ما في حقوقه، وهذا له نكتة عجيبة يذكرها بعض العلماء: أنه لو أعطي مجالٌ للصراف؛ لأصبحت الأموال دُولة بين الأغنياء فقط؛ لأنهم هم الذين عندهم رؤوس الأموال، ويجلس في بيته ولا يشتغل، ويصرف العشرة بتسعة فيتكاثر ماله دون عناء، وهذا عين البطالة، ولذلك الشريعة لا تريد هذا، ولولا أن الإنسان مضطر ومكره لهذه التسعة ما رضي، ومن هنا قد يصرف اليوم بالتسعة، ثم بعد ذلك تأتي يوم من الأيام يقول لك: أنا أصرف لك العشرة ريالات بخمس ريالات، تقول له: يا أخي، كيف تظلمني بخمس ريالات؟! تصوروا الآن لو أن شخصا جاء يصرف عشر ريال حتى تعرف صواب الشيء من خطئه إذا قلت: يجوز العشرة بتسعة.
فلو قال قائل: أريد أن أصرف عشر ريالات بريال، أنا ما أصرف لك العشر ريالات إلا بريال، وعندي فتوى وعندي من يجيز لي ذلك؛ لأنه كما جاز لي أن آخذ التسعة بالعشرة يجوز لي أن آخذ العشرة بريال واحد، هل يمكن أن يسوغ هذا؟! ما يمكن أن يسوغ، لكنه إذا كان الأصل جواز التفاضل فبيعوا كيف شئتم. له أن يقول: أبيع العشرة بريال؛ وبناءً على ذلك اليوم يصرف العشرة بتسعة، وسيأتي زمان يصرف العشرة بخمس، وسيأتي زمان يصرف بأقل، ولذلك يكون المال دُولة بين الأغنياء، ويحتكر هذا المعنى الذي من أجله حرم الربا في الأصول. والأصل يقتضي أن المال لا يستحل؛ إلا بحق، ومن هنا حكر الله على الأغنياء أن يستغلوا الضعفاء بالديون، فيدينه عشرة ويردها اثنا عشر، وأوجب التماثل حتى يقطع المظلمة عن الضعيف، فنقول: إن صرف هذه العُمل بعضها ببعض ينبغي أن يكون عند تماثلها واتحاد أصنافها أن يكون يدًا بيد وأن يكون مثلا بمثل، ولا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النَّسَاء على ظاهر ما ذكرناه من الأصل؛ وبناءً على ذلك وجبت الزكاة في الأوراق؛ لأن أصولها ذهب: إذا كانت دولارًا، أو دينارًا.