الصفحة 150 من 254

العقد، أو الذهب المؤخر قَبْضُهُ عن مجلس العقد؛ فقد وقع ربا النسيئة، أي: ربا التأخير.

ونهى-عليه الصلاة والسلام- عن بيع الذهب بالذهب؛ إلا مثلًا بمثل، وتقدم معنا أن هذا اللفظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام: يشمل الذهب بجميع أنواعه؛ سواء كان الذهب مضروبًا، أو كان حليًا، أو كان تبرًا، أو كان على أشكال مختلفة من المصوغ. فيجب التماثل فيه والتقابض، فلا يجوز بيع الدنانير بالحلي؛ إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء؛ كما نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأن تحقق التماثل يكون بالوزن؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في اللفظ الثاني: (( إلا وزنًا بوزن ) ). فإذا أراد أن يبيع مائة غرام من الذهب بذهب؛ فلابد وأن يكون الذهب الذي يقابلها وزنه مائة غرام، فلو زاد غرامًا، أو نقص غرامًا فأكثر؛ فإنه عين الربا الذي حرم الله ورسوله.

أيضًا لو أنه أدخل الزيادة من غير الذهب، فلو قال له: هذه مائة غرام من الذهب الرديء بثمانمائة غرام من الذهب الجيد وتزيد نقودًا، كما هو موجود - مثلًا - في زماننا: يعطيه طَقْمًا من الذهب قديمًا وزنه ثمانون غرامًا ثم يقول: أريد طقما جديدًا، أو حليًا وزنه يكون ثمانين غرام، فيقول له: هذا جديد، والفرق بينهما أن تدفع خمسمائة ريال، فثمانون غرام بثمانين غرام تحقق الوزن، وتحقق التماثل في الوزن، ولكنه أدخل الزيادة من غير الذهب؛ وذلك في قوله: تزيد الفرق مائة ريال، أو تزيد الفرق خمسمائة ريال؛ ففي هذه الحالة يقع الربا. فلا ينحصر الربا في الزيادة إذا كانت من الذهب، بل إنه يشمل الزيادة من الذهب ومن غير الذهب.

وهذا الحديث أكّد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم الربا بنوعيه بذكر الذهب والفضة، ولما قال: (( وزنًا بوزن ) )ذهب طائفة من العلماء إلى استنباط العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة، وهي كونهما موزونين، فقالوا: كل شيء يوزن من غير الطعام يجري فيه الربا، وقد قدمنا هذه المسألة، وتكلمنا على خلاف العلماء، وأدلتهم فيها، وتطبيقات الأقوال الواردة في المسألة في شرح بلوغ المرام، وفصلنا فيها، وبينا القول الراجح ودليله، وأن الراجح في العلة هي الوزن؛ خلافًا لمن قال - وهم الجمهور: إن العلة هي الثمنية، فهنا لما نص-عليه الصلاة والسلام- على قوله: (( وزنًا بوزن ) )تنبه بعض العلماء إلى العلة، وقالوا: إن الأصل في الموزونات أن تباع متكافئة متساوية، والوزن يحقق العدل فيها. فإذا باع مائة غرام بمقابل تسعين غرامًا، أو مائة غرام مقابل مائتين غرام فقد ظُلم صاحب الغرام الأكثر؛ لأنه ليس من العقل، ولا من الحكمة أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت