الصفحة 151 من 254

يبذل الإنسان وزنًا أعلى في مقابل وزن أدنى، ومن هنا قالوا: كل شيء يوزن من غير الذهب والفضة يجري فيه الربا؛ فلا يجوز بيعه، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد.

وأما الجمهور-رحمهم الله- فلا يجرون الربا في غير المطعومات؛ لأن العلة عندهم قاصرة، وهي الثمنية، والعلة القاصرة لا تقبل تعدية الحكم إلى غير المنصوص.

وفي هذا الحديث تنبيه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته على تحريم الربا بنوعيه، وفيه رد على من قال: إن ربا الفضل جائز، ولذلك تقرر عند أئمة الإسلام من: الخلفاء الراشدين، وأئمة الصحابة-رضي الله عنهم أجمعين-، والتابعين لهم، والأئمة الأربعة، وكذلك الظاهرية، وأهل الحديث، كلهم أطبقوا وأجمعوا على أنه يحرم ربا الفضل كما يحرم ربا النسيئة.

وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( لا تبيعوا غائبًا منها بناجز ) ): يستوي أن يكون الذهب لو بعت ذهبًا بذهب، وكان الذهبان موجودين في مجلس العقد فلا يتحقق الشرط إلا بالقبض قبل الافتراق، فلو أن أحد المتعاقدين - كالبائع مثلًا - قال: هذا الذهب أبيعكه ولكن بشرط، وآخذ منك الذهب القديم الآن وأعطيك الجديد غدًا، فهو موجود، لكنه في حكم الغائب. مادام أنه أخر القبض واشترط عليه تأخير القبض، بحيث يفترقا عن مجلس العقد دون تقابض؛ فإنه لا يجوز، ولذلك ينطبق عليه أنه بيع غائب بناجز، فهو وإن كان موجودًا في مجلس العقد حقيقة، لكنه غير موجود حكمًا؛ لأنه أخر قبض ذلك عن مجلس العقد، والشرط أنهما لا يفترقان وبينهما شيء؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء ) ).

المسألة الأخيرة: لما حرّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا مثلًا بمثل. الأصل عند العلماء: أنه لابد من التماثل، وتحقق التماثل، فتأتي المشكلة في وجود أشياء أخر مع الذهب، فلو أراد أن يبادل عقدًا من الذهب مرصع بجواهر بعقد آخر مرصع بجواهر، أو بعقد غير مرصع، فوجود الجواهر، ووجود الأشياء الأخرى من غير الذهب ستؤثر في الوزن، ومن هنا يرد السؤال: ما العمل؟

الجواب: أنه يجب معرفة حقيقة وزن الذهب، ويبادل الذهب بالذهب مثلًا بمثل، ولذلك نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع القلادة حتى تُفْصل، وثبت ذلك عنه-عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح، وأخذ منه العلماء -رحمهم الله-:"أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل"، وهذه قاعدة شرعية في بيوعات الربا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت