الصفحة 153 من 254

الله - صلى الله عليه وسلم -، وحبهم أن يتجملوا معه، وأن يكونوا في الكمال، وعلى أحسن الأحوال فيما يعطونه ويقدمون إليه، فلم يقدم القديم، وإنما اختار أن يقدم له الطيب الجيد، وهذا هو صنيع العقلاء والفضلاء: أنهم يبرئون في معاملتهم للغير أن يبقوا على الأقل، وإنما يسموا إلى الأعلى والأكمل؛ خاصةً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع أن هذا الصحابي كان فيما هو كان فيه من ضيق اليد، وإن كان بعض العلماء يقول: يحتمل أنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وكله، فلما سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - دل على مشروعية السؤال، واستبيان الحال، وأن السؤال عن الطعام، وعن ما يقدم للإنسان؛ خاصة عند وجود الشبهة لا بأس به ولا حرج.

وما ورد من حديث عائشة-رضي الله عنها- حينما قالت: - يا رسول الله -، إن أناسًا يأتوننا حديث عهد بجاهلية؟ لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لم يذكروه؟ قال: (( سموا الله وكلوا ) )هذا الحديث لا علاقة له بمسألتنا؛ لأن هذا الحديث ينبغي أن يفهمه طالب العلم ويعلمه أن المراد به دفع الشكوك والوساوس فيما يستصحب فيه الأصل، فعائشة-رضي الله عنها- تقول:"إن أناسًا حديث عهد بجاهلية - يعني هم مسلمون - يأتوننا بلحمان -"يعني أنهم قد ذكوا بهائم فيؤتى بلحم هذه البهيمة - تقول عائشة: لا ندري أذكروا اسم الله؛ لأنهم مسلمون أم أنه أثرت فيهم بقايا الجاهلية فذكروا أسماء آلهتهم فما هو الأصل؟ الأصل في المسلم أنه يذكر اسم الله أو يذكر ما ألفه من الجاهلية؟

والجواب: أنه يستصحب الأصل الطارئ، ويقدم على الأصل القديم؛ ومن هنا قال - صلى الله عليه وسلم: (( سموا الله وكلوا ) )هذا لا يدخل فيما لو إذا كان الذي يأتيك بطعام لا تدري أهو مذكى أو غير مذكى؟ أجاء من موضع إسلامي أو موضع غير إسلامي؟ فيجب عليك أن تتحرى، ويجب عليك أن تسأل، وأن لا يفتح الإنسان جوفه، لأن يطعم كل ما هب ودب؛ بناءً على أنه غير مكلف بالسؤال. والجواب أنه واجب عليه السؤال، ولذلك قرر العلماء: أنه لو اختلطت أخته بأجنبية، وميتة بمذكاة حرمتا عليه، وإن أمكن التحري وجب عليه أن يتحرى بالعلامات، فهنا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يدل على أنه من المنبغي للمسلم أن يتحرى في طعامه، وأن يستبين فيما يأكل، كيف وقد أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( أن العبد يحجب عن الإجابة فتغلق أبواب السماء دون الدعاء؛ لسبب طعمة من الحرام قذفها في جوفه ) ). قال: - يا رسول الله -، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. قال: (( أطب مطعمك تستجب دعوتك ) )، ((

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت