الصفحة 155 من 254

وأن الحيلة إذا توصل بها إلى إحقاق الحق وإبطال باطل؛ فإنها مشروعة، ولذلك ذكر الله عن نبيه يوسف - عليه السلام - أنه احتال على إخوته، وذلك أنه خبأ الصاع في رَحْل بنيامين، {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فهذه حيلة شرعية، ولكن الإشكال يقول قائل: كيف تقع هذه الحيلة من يوسف - عليه السلام - ويضر أخاه حينما ينسب أخوه إلى السرقة، ويُشَهّر به أمام إخوته، ويؤذى هذه الأذية؟ قالوا: لأنه كان يخاف عليه أذية إخوانه، والضرر الذي سيأتيه من إخوانه أعظم من الضرر الذي سيأتيه من هذه الحيلة، ومن هنا ارتكب أخف الضررين، وكانت حيلة شرعية؛ فقال الله عنها: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} فهذا من الكيد المشروع، والكيد من الله كمال، الكيد صفة نقص في المخلوق؛ لأنها تقع في غير موقعها، ولكنها من الخالق صفة كمال، الكيد والمكر صفة ثابتة لله - عز وجل -، لكنها كمال في حق الله - عز وجل -؛ لأن كيد الله ومكره واقع في موقعه، ولكن كيد المخلوق ومكره يقع في غير موقعه، ومن هنا جعل العلماء الحيل المشروعة مشروعة؛ لأنه يتوصل بها إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل.

لما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - الحيلة المشروعة دل على فقه الدعوة، وفقه التعامل مع الناس: أنه إذا حُرِّم عليهم الشيء، وأمكن وجود البديل الشرعي يُدَلّوا عليه وينبهوا عليه، وأنه إذا أخطأ المخطئ يبين له كيف يُصحح خطأه، {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} فذكر لهم الخطيئة، ولكنه لم يوقعهم في ألمها وضيقها حتى ذكر لهم الفرج والمخرج، وهذا أصل شرعي، وسنة من سنن الأنبياء والرسل كما ذكرنا عن نبي الله موسى - عليه السلام -، ومن هنا يبين العلماء للناس البديل، لكن المبالغة في البديل، وكون كل شخص يأتي بمعاملة محرمة، ويقول لك: أعطني عنها بديلًا ليس بوارد، فالله يحكم ولا معقب لحكمه، وكل مسلم عليه أن يعلم أن ما أحل الله أكثر مما حرم، وأن المحرم لا يكون؛ إلا لسبب: ما فيه من أضرار الدين، أو أضرار الدنيا، أو ضرري الدين والدنيا معًا؛ ولذلك لما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - البديل وجد بديل، فإذا أمكن وجود البديل؛ فالحمد لله، وإذا لم يمكن وجود البديل؛ فعلى المسلم السمع، والطاعة، والالتزام بما شرع الله - عز وجل -، وقد يتعذر على عالم أن يُوجِدَ بديلًا ويكون البديل عند عالم أعلم منه، وفوق كل ذي علم عليم، والله - عز وجل - فضل أفهام العلماء، وتفاضل العلماء في فتح الله، وتعليمه إياهم، حتى قال-تعالى-: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} فإذا كان هذا بين أنبيائه ورسله فما بالك بالعلماء! وعلى كل حال فالبديل لسنا بملزمين به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت