الصفحة 162 من 254

ويُقْهر، وتدعوه النفس الأمارة، والشيطان المريد، لكنه تاب وصدق في التوبة؛ فإن الله غافر له؛ قال - صلى الله عليه وسلم: (( أذنب عبد ذنبًا - كما في صحيح مسلم - فقال: رب اغفر لي. فقال الله: يا ملائكتي، علم عبدي أن له ربًا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب قد غفرت لعبدي. قال - صلى الله عليه وسلم: ثم أذنب ثانية، فقال: رب اغفر لي. فقال الله لملائكته: علم عبدي أن له ربًا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ثالثة، فقال: رب اغفر لي - علم ما له إلا ربه، وأنه لا مفر ولا منجى من الله إلا إلى الله، فليس له إلا أن يطرح بين يدي الغفور الرحيم الحليم الكريم - سبحانه وتعالى -! - فقال: رب اغفر لي. فقال الله: يا ملائكتي، علم عبدي أن له ربًا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب قد غفرت لعبدي وليعمل ما شاء ) )أي: مادام أنه يصدق التوبة.

الشيطان حريص كل الحرص على الإنسان بعد الوقوع في المعصية، ولا يقنطه من رحمة الله في وقت ينتهز فيه الفرصة مثل هذا الوقت الذي يقول له: أنت كنت على طاعة، أو كنت على خير، أو أنت تبت، ثم رجعت فأنت منافق، فإذا قال: لا. إن ربي غفور. قال له: لو الله يحبك ما أوقعك في هذا الذنب. قاتله الله عدو مبين وقال: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} وقال: {ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} فقعد للإنسان بالرصد، فهو العدو المبين الذي يريد غاية ما يريد أن يقطع ما بين العبد وربه، وثق ثقة تامة أن أي حديث نفس يأتي بعد الذنب، يقول لك: الرب بعيد عنك فاعلم أنه من الشيطانلا من الرحمن، كل ما تحسه في نفسك من أنه قد انقطعت الصلة بين الله وأنك وأنك ... فاعلم أنه من عدو الله الخبيث، وأن ربك لك في: حلمه، ورحمته، وبره، وإحسانه، ورأفته أعظم مما يخطر لك على بال، فهو الذي يحب توبة التائبين، ويمحو بمنه وفضله وإحسانه ذنوب المسيئين. من الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار؟! ومن الذي يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل؟! ومن الذي ينادي: (( يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي ) )؟! ومن الذي يقول: (( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني ) )؟! فقط استغفروني - ثم هو أصدق من وعد - أغفر لكم؛ ولذلك ما استغفر عبد ربه من قرارة قلبه صادقًا ولو حمل ذنوب العمر كله؛ إلا تاب الله عليه وغفر ذنبه، ولربما وقف الإنسان في آخر عمره بعد تسعين عامًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت