فهرس الكتاب
غريبًا عن الله، بعيدًا عن طاعة الله، ولكنه يدركه برحمته-وهو أرحم الراحمين- فيريق دموع الندم، ويتحرك في قلبه بواعث الشجا والحزن والألم، فيقول: رب اغفر لي، وينكسر إلى الله في آخر عمره؛ فيفرح الله بتوبته، ويقول الله: يا ملائكتي، علم عبدي أن له ربًا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب قد غفرت لعبدي فتمحى ذنوب العمر كلها، ويتولى الشيطان يحثو على رأسه التراب، يقول: يا ويلة! أغويته من سبعين وتسعين ... غفر له في طرفة عين. من هذا الذي يحول بين العبد وربه؟! فكل ما يجده الإنسان في قلبه من أي شيء تجده يخُذِّلُك أو يبعدك عن الله أو يسيء ظنك بالله؛ فاعلم أنه ليس من الرحمن؛ والله يقول: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ} فكل ما يجده الإنسان في قلبه من: الأحاسيس، والمشاعر الكاذبة الخاطئة الآثمة التي تريد أن تقطع العبد عن ربه - الذي لا رب له سواه -، والتي تريد أن تقطع المعذب المهموم المغموم المحزون الذي يريد أن يبث حزنه وشجاه إلى ربه؛ فاعلم أنها من الشيطان لا من الرحمن {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ماذا أقول؟ وهو أصدق القائلين ووعده لا يخُلْف وهو أحكم الحاكمين سبحانه وهو رب العالمين! أبدًا. لا يُعَقَّب حكمه.
إذا تاب العبد؛ فليعلم أنها ساعة العمر، وأنها ساعة السعادة، وأنها ساعة الأنس حينما يَاوي إلى ربه، وعندها يحقق التوحيد؛ لأنه لا يقول: رب اغفر لي إلا وقد آمن أن هناك ربًا يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب، وإذا قال: رب اغفر لي، لا يقول: اغفر لي إلا وهو موقن أن الله يغفر الذنوب جميعًا، وأنه لا يقول: اغفر لي إلا وهو يعلم أنه يقف على بابٍ باب كرم وجود وإحسان، وصف الله نفسه بأنه الغفور الودود، والود: خالص الحب، قال بعض العلماء: غفور ودود؛ لأنه تودد لخلقه - وهو الغني عنهم سبحانه وهم أفقر ما يكونون إليه-تودد إليهم فيذنبون فيغفر ذنوبهم، ويسيئون فيمحو سيئاتهم. سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه!
فالعبد يثبت على التوبة بصدق اليقين في الله، ولن يستطيع إنسان أن يعرف كيف يتوب إلى ربه إلا إذا عرف الله بأسمائه وصفاته، ولذلك الأنبياء والرسل كانت لهم قدم الصدق؛ لأنهم أعرف الناس بالله، وأعلم الناس بالله، وأصدق الناس بالإنابة إلى الله - سبحانه وتعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} التوبة الأولى من آدم - عليه السلام - وزوجه حواء: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} ما ظلمناك؛ لأن الله لا تضره