فهرس الكتاب
فما نفع الله عبدًا ولا أَمَةً من إمائه بشيء يشفي الصدور ويذهب ما فيها من الران وظلمات المعاصي وآثار الذنوب أعظم من كتاب الله - عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً} ففيه الهداية، وفيه الرحمة، وفيه الثبات على التوبة، وفيه الثبات على الاستقامة، وفيه الثبات على العلم، والثبات على كل خير وبر: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} هذه شهادة رب العالمين.
فالذي يريد أن يثبت على التوبة يحرص على تلاوة القرآن، واجعل لك كل يوم حظًا من كتاب الله، ولكن إذا قرأت من كتاب الله ولو في كل يوم صفحة واحدة؛ فاجعلها - مثلًا - قبل نومك، واجعلها ساعة فراغك من شغلك، ثم افتح كتاب الله، واعرض قولك وعملك على كلام الله، وانظر أين أنت من الله؟! وعندها ماوجدت من خير حمدته، وشكرت الله الذي تفضل به عليك، وما وجدت من شر مقته وكرهته وعاهدت ربك على أن تتركه، وسألت الله أن يعينك على ذلك، وأن يهيئ لك الرشد فيه، وعندها تصلح أمور العبد، ولذلك كان السلف الصالح-رحمهم الله- يقومون الليل بالقرآن، ويكثرون من تلاوة القرآن؛ فأصلح الله أحوالهم وثبت على الهداية والاستقامة أقدامهم.
كذلك مما يعين على الثبات على التوبة والإنابة إلى الله - عز وجل: الفرح بنعمة الله. من عرف أن الشيء عزيز، أحكم قبضته عليه. من عرف قيمة التوبة، وقيمة الإنابة، تصوروا - أيها الأحبة - لو أن رجلًا وقع في حفرة مليئة بنار تلظى، فيها حتفه وموته وهلاكه، فجاء وانتشله منها من ينتشله لما نسي ذلك الموت الذي رآه بين عينيه - فكيف بمن رأى وحشة المعاصي، وظلمة المعاصي، وألم المعاصي، وهمها، وغمها، وبلاءها، وشرها عندها يعرف قيمة التوبة، يُفيِق، يجد ما يجده، وأنت في مجلس الذكر والخير تحمد الله - عز وجل - أن الله صرف عنك ظلمة المعصية، وران المعصية، وهم المعصية، وغم المعصية، فإذا علمت أن حال التوبة؛ حال خير تمسكت به، وأحببته، ولن ترضى عن سبيله بديلًا، ولا عن طريقه تحويلًا، حتى تلقى الله - جل جلاله - على ذلك الذي أحببت. فمن أحب الشيء؛ ثبت عليه.
فالبعض قد يهتدي وقد يلتزم، لكن إلى الآن ما عرف قيمة الالتزام، والذي يريد أن يعرف ذلك فليقرأ عن أحوال العصاة، وكيف أن الرجل تجده-والعياذ بالله- مدمرًا في حياته، شقيًا في ماله، وأهله، وولده، تقول له: تب إلى الله. يقول لك: ما أقدر. تقول له: ارجع إلى الله. يقول لك: ما أقدر. فتقول: يا رب، لك الحمد أن هديتني، ولك الحمد أن رحمتني، فكم من أناس يتمنون ما أنت فيه! فاحمد الله على