الصفحة 47 من 254

أما المعنى الثاني: فهو تمييز العبادات والعادات فالمراد بذلك: أن النية تميز قصد الإنسان بالعبادة فهي تفرق بين النوافل والفرائض، وتفرق بين العادات والعبادات.

أما تمييزها بين الفرائض فالإنسان إذا صلى الصلاة فإنه إذا نوى بها الفريضة كانت فريضة وإذا نوى النافلة كانت نافلة، وهكذا إذا قصد بمعاملاته فلو أعطى الإنسان وهو يريد الصدقة لم يجزه ذلك قضاء لدينه؛ لأنه إنما نوى الصدقة ولم ينو قضاء الدين ولو أعطاه بنية قضاء الدين لم يكن صدقة لأنه نوى قضاء الدين ولم ينو الصدقة.

ثم إن الفرائض تتميز فلو صلى الإنسان أربع ركعات احتملت أن تكون صلاة للظهر أو صلاة للعصر ولا يمكنه أن يميز بين الصلاتين إلا بالنية، ولذلك اعتد بنيته فإن نوى الظهر لم تقع العصر ولو نوى العصر لم تقع عن الظهر، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - مؤكدًا هذا المعنى: (( وإنما لكل امرئ ما نوى ) )أي ما قصد من عبادته إن كانت نافلة فنافلة، وإن كانت فريضة ففريضة، وإن قصد بالإعطاء عادة وقعت عادة، وإن قصد به عبادة وقع عبادة، فلو أنفق على زوجته يحتسب الأجر عند الله كان إنفاقه عبادة، ولو أنفق على زوجه وأولاده يريد بذلك وجه الله - عز وجل - كانت له عبادة فتردد إنفاقه بين العادة وبين العبادة وتميز بالنية والقصد، ومن هنا أخذ العلماء-رحمهم الله- القاعدة الشرعية المشهورة:"الأمور بمقاصدها"وهي إحدى القواعد الخمس التي انبنى عليها الفقه الإسلامي:

أولها: الأمور بمقاصدها. والثانية: اليقين لا يزال بالشك.

والثالثة: الضرر يزال. والرابعة: المشقة تجلب التيسير.

والخامسة: العادة محكمة.

فقولهم:"الأمور بمقاصدها": انبنت على قوله-عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث: (( إنما الأعمال بالنيات ) )أي إنما اعتبارها وإجزاءها بالنية، وكذلك قوله: (( إنما لكل امريء ما نوى ) )وقد اعترض على هذه القاعدة باعتراضات:

قال بعضهم: إن هذه القاعدة يخرمها أمور:

منها: أن الإنسان لو قال لرجل زوجتك بنتي وهو هازل غير قاصد وجاد وقال: قبلت، فإن النكاح يقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت