الصفحة 48 من 254

مع أنه قد قصد الهزل ولم يقصد الجد، وكذلك لو قال لعبده: أنت حر يريد الهزل فإنه يمضي عليه عتقه ولا رجعة فيه مع أنه لم يقصد العتق، وكذلك إذا نذر نذرًا فإنه يمضي عليه النذر ولو كان هازلًا مع أنه غير قاصد للنذر وهكذا لو قال لامرأته أنت طالق وقال إنما قصدت الهزل فإنه تطلق عليه امرأته ولا يلتفت إلى نيته وقصده قالوا: وقد ثبت في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق ) )، وقال عمر - رضي الله عنه - وأرضاه-: أربع جائزات إذا تكلم بهن النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر، قالوا: فكيف يمكننا أن نقول: بأن الأمور بمقاصدها مع أن الهازل في نكاحه وطلاقه وعتقه ونذره لا نية له في الإيقاع؟

وقد أجاب العلماء-رحمهم الله- بأن هذا الإيقاع مرتبط بالحكم الوضعي لا بالحكم التكليفي؛ وذلك أن الشرع جعل إيقاع الطلاق والعتاق والنذر والنكاح من الأسباب التي إذا وجدت مسبباتها بغض النظر عن كون الإنسان قاصدًا للطلاق أو غير قاصد وهذا هو أقوى الوجوه كما ذكر الإمام الشاطبي-رحمه الله- في الموافقات، وعلى هذا فقد سلمت القاعدة واعتبر العلماء النية في العبادات والمعاملات.

ففي العبادات: لو أن إنسانًا اغتسل ونوى بالغسل أن يتنظف أو يتبرد فإن غسله لا يجزيه عن الجنابة الفرض، وهكذا لو توضأ في الصيف يقصد البرودة فإن وضوءه على هذا الوجه لا يقع عبادة؛ لأنه لم يقصد التقرب لله - سبحانه وتعالى - بوضوئه، وهكذا الحال بالنسبة لأفراد العبادات فلو أنه طاف بالبيت فإن نوى بالطواف طواف نافلة لم يقع عن الفريضة، وهكذا لو نوى الفريضة فإنها لا تجزيء عن فريضة أخرى، فلو أنه طاف طواف الإفاضة ونوى بذلك طواف الوداع فإن كان طوافه للإفاضة في آخر أيامه أجزأه عن الوداع تبعًا، لا من جهة القصد والنية وإنما من جهة كون الشرع جعل العبرة بجعل الطواف آخر عهد الإنسان بالبيت لقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافًا ) )قالوا: فالعبرة بوقوع الطواف بغض النظر عن كونه طوافًا للإفاضة أو غيره فإذا نوى اندراج طواف الوداع تحت طواف الإفاضة أجزأه وهكذا بالنسبة للصور الأخرى التي يتحقق بها مقصود الشرع في الاندراج كمن دخل إلى المسجد وصلى راتبة الظهر فإنها تجزيه عن تحية المسجد لأن مقصود الشرع أن يصلي قبل أن يجلس، وهكذا بالنسبة لبقية العبادات التي نص العلماء على صحة الإدراج فيها كما هو الحال في دعاء الاستخارة فإنه إذا صلى راتبة الفجر ثم دعا بعدها دعاء الاستخارة أجزأه لا من باب النية ولكن من جهة قصد الشرع أن يوقع صلاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت