فهرس الكتاب
ركعتين من غير الفريضة.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) ): الهجرة في لغة العرب المفارقة والترك ومنه الهجران وهو ترك الكلام والمباعدة والمفارقة للمهجور وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( والمهاجر من هجر ما حرَّم الله عليه ) )أي ترك محارم الله وحدوده.
وأما الهجرة في الشرع فإنها تطلق على عدد من الهجر:
الهجرة الأولى: هجرة الصحابة-رضوان الله عليهم- من مكة إلى الحبشة وقد وقعت بعد إيذاء المشركين لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما توفي أبو طالب فقال-عليه الصلاة والسلام-: (( إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد ) )فتحول المهاجرون من الصحابة إلى الحبشة.
وأما الهجرة الثانية: فهي من مكة إلى المدينة وهي التي ورد المدح والثناء عليها في النصوص.
والهجرة الثالثة: هي هجرة الوفود وقد وقعت بعد فتح مكة.
وأما بالنسبة للنوع الرابع من الهجرة: فهي مفارقة ديار الكفر إلى ديار المسلمين وهي باقية إلى قيام الساعة لحديث أحمد في مسنده (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) )فدل على بقاء الهجرة إلى هذا الزمان وزمان طلوع الشمس من مغربها هو الزمان الذي لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولا يعارض هذا الحديث ما ثبت في الصحيح من حديث عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام خطيبًا في اليوم الثاني من فتحه لمكة فقال: (( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ) )فإن قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( لا هجرة بعد الفتح ) )هذا النفي مسلط على نوع خاص من الهجرة وهو الانتقال من مكة إلى المدينة وذلك أن مكة قد فتحت وصارت من ديار الإسلام وحينئذٍ لا يوصف المنتقل منها إلى المدينة بكونه مهاجرًا فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الهجرة بهذا المعنى، ولذلك قال العلماء: ببقاء الهجرة واعتبروا قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( لا هجرة بعد الفتح ) )المراد به الخصوص وهو معجرة من معجزاته-صلوات الله وسلامه عليه- كما قال العلماء لأن فيه إشارة إلى أن مكة تبقى دار إسلامٍ إلى قيام الساعة.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ) ): يعتبر بمثابة التفصيل للجملة