فهرس الكتاب
المتقدمة في قوله: (( إنما الأعمال بالنيات ) )ووجه ذلك: أن الهجرة لله ورسوله ضرب من الأعمال التي انصرف عمل الإنسان فيها للطاعة والقربة بالنية وهذا من باب التمثيل لا من باب الحصر، ولذلك قال العلماء: فيه دليل على مشروعية ضرب الأمثلة لتقريب الأحكام وذكر الصور والمسائل التي هي أفراد لعموم القواعد والأصول حتى يتسنى للإنسان معرفة الأصول بها وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر نوعين من الهجرة:
النوع الأول: يعتبر هجرة وطاعة وقربة لله - عز وجل -.
والنوع الثاني: يعتبر من أمور العادات لا أجر فيها للإنسان.
فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذين النوعين على سبيل التمثيل للأصل الذي قدمه بقوله: (( إنما الأعمال بالنيات ) ).
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ) ): المراد بذلك نية وقصد (( فهجرته إلى الله ورسوله ) )ثوابًا وأجرًا.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ) ): الدنيا إما مأخوذة من الدناءة والاحتقار وذلك لحقارتها وهوانها على الله - عز وجل -، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر فيها شربة ماء ) )فسميت بهذا الإسم لدناءتها وحقارتها. وقال بعض العلماء: سميت الدنيا بالدنيا لدنوها وقربها من الآخرة.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ) ): كأن يهاجر لتجارة أو نحو ذلك من عرض الدنيا ومتاعها وذكر مثالًا على ذلك بقوله: (( أو امرأة ينكحها أو يتزوجها ) )كل ذلك من باب عطف الخاص على عام وذلك أن الزواج من أمور العادات المتعلقة بالدنيا وقد يقع طاعة وقربة لله - عز وجل - إذا قصد الإنسان من زواجه أن يعف نفسه عن الحرام ويحصن فرج أهله عن الآثام كما قال-عليه الصلاة والسلام-: (( وفي بضع أحدكم صدقة ) )قالوا: - يا رسول الله - أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: (( أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر! ) )فدل على أن النكاح يكون عادة ويكون عبادة؛ ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن الهجرة يقصد منها النكاح، وبناءً على ذلك انصرفت الهجرة من قصد القربة إلى قصد الدنيا.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( أو امرأة ينكحها ) ): أطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا وقال بعض العلماء: من