ينتفع بهذا العلم، ولذلك قال بعض العلماء: اعمل بالحديث ولو مرة تكن من أهله، فمن عَمِل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وقال بعض السلف: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، فمن عمل بعلمه كان عمله دليلًا على إخلاصه لوجه الله - جل جلاله - أحبه الله وأحب منه الإخلاص فطيب قوله وعمله حتى يزيده منه قربًا - سبحانه وتعالى -، والعكس بالعكس فمن انصرف عن الله أزاغ الله قلبه ومن أراد بهذا العلم غير وجه الله - جل جلاله - طمس الله بصيرته وجعل هذا العلم وبالاءً عليه فلا يهتدي ولا يصلح ولا ينتفع ولا يقتدي {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} - نسأل الله العظيم أن يعيذنا من هذا الزيغ وأن لا يجعلنا من أهله -.
فإذا عمل طالب العلم بالعلم كان بذلك قدوة للناس وإمام هدى يدعو إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يتكلم وكم من عامل بالسنة داعٍ إليها بدون أن يتكلم فإن من بركة هذا العلم إذا عمل به صاحبه أن يجعله الله قدوة للناس فكم من أناس أحبوا السنة لما رأو أهلها عاملين بها، وكم من أناس أحبوا الخير لما رأوا الأخيار سبّاقين إلى طاعة الله مشمرين في محبة الله ومرضاته.
أما الدليل الثاني والعلامة الثانية التي تدل على إخلاص العبد لله - عز وجل - وضع الله - عز وجل - القبول للعبد فإن الإنسان إذا أراد وجه الله ووطن طالب العلم نفسه بالإخلاص لله - عز وجل - من أول لحظة فإن الله يوفي له ولا أوفى من الله، فالله يفي لعبده وكلما كان العبد يخلص لوجه الله - جل جلاله - وفى الله له بحسن العاقبة، ووفى الله له بحسن الأثر ووضع القبول وكم من أئمة من السلف الصالح وضع الله لعلومهم وكتبهم ومواعظهم وما ألفوا للمسلمين من الخير العظيم والنفع العميم ما لا يعلمه إلا الله - سبحانه وتعالى - وكلما نفذت كتبهم طبعت وأعيدت ونشرت وأصبح كلامهم كأنه نقش على صفحات الصدور وكل ذلك من آثار الإخلاص لله - جل جلاله -.
ألف الإمام مالك-رحمه الله- الموطأ فألف الناس الموطآت فقالوا: - يا أبا عبدالله - كثرت الموطآت فقال: ستعلمون ما أريد به وجه الله، وإذا بنا اليوم لا نجد إلا موطأ الإمام مالك فلا نعرف موطأ غير موطأه وهذه كلمة عظيمة منه وصدق الإمام الحسن البصري إذ يقول: لا يزال الرجل بخير إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله.
الوصية الثانية لطلاب العلم بعد الإخلاص: الأدب في طلب العلم فإن الله جمل طلاب العلم وجعل لهم حلية يتميزون بها وصفات كريمة يتحلون بها لأن من طلب الخير فإن الله يظهر آثار ذلك الخير فالأمور تسمو بغاياتها فلما كان المطلوب عزيزًا شريفًا كريمًا كان طالبه عزيزًا شريفًا كريمًا، طالب العلم حقيق به إذا سلك