فهرس الكتاب
الجواب:
العلم رحمة ولاشك أنه فضل عظيم وهذه الرحمة وهذا الفضل لاينال إلا بجهاد وتعب ونصب، ولذلك لما أراد الله أن يبين لنبيه موسى فضل العلم أمره أن يرتحل وأن يذهب ويبحث عمن هو أعلم منه، ولما أراد الله أن يوحي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت، العلم فيه تعب ونصب فيجد الإنسان التعب وهو يذهب إلى حلقة العلم فتأتيه مشاغل الدنيا، وتأتيه فتن الدنيا تمنعه من الجلوس في حلق العلم والحرص عليها وتشغله عنها فيظهر لله الصدق في الرغبة والمحبة حتى ينال أعلى الدرجات بهذا الجد وهذا الصدق.
الأمر الثاني: أنه إذا جلس في حلق العلم تشوش ذهنه بخواطره الدنيا ووساوس الشيطان ولربما دخل عليه الشيطان بالعجب ودخل عليه بالرياء ودخل عليه من باب السمعة والثناء وغير ذلك من المحرمات فحينئذٍ يجاهد ويجتهد.
كذلك يدخل عليه البلاء من جهة السامة والملل فقد يسأم الإنسان وقد يمل وقد يجد ابتلاء العلم حتى في الشيخ الذي يتلقى عنه فيجد من الصعوبة أن يجده ومن الصعوبة أن يفهم متى يتأذن الله بالفتح والتوفيق فتصبح مجالس العلم عنده أهنىء لنفسه من الماء البارد في اليوم الصائف بل ألذ وأسنى من ذلك كله، ولما ذاق العلماء لذة العلم نسوابها لذة كل شيء ما عدا ذكر الله - عز وجل - فأقبلوا عليه بنهم وشغف فشغلوا به أعمارهم وأوقاتهم متى تبوؤا ورحمة الله - عز وجل - في الدنيا والآخرة، وكلما كان الشيء عزيزًا شريفًا كريًام كلما كان وصوله وبلوغه صعبًا وعسيرًا على الإنسان وهذه حكمة من الله - عز وجل - ولله الحكمة في ذلك فالذي يتعب وينصب سيجد بإذن الله العاقبة كان عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- يمضي إلى بيت زيد بن ثابت ولاينتظرة في الحلقة ولكن يذهب إلى بيته وينام على عتبة الدار ينام في السحر قبل الفجر وينام في الظهيرة يقول: يلفحني السموم وأنا على باب زيد ثم إذا خرج زيد أمسك بخطام دابته-رضي الله عن الجميع- ومضى به إلى حلقة العلم وسأله عن علم كتاب الله حلاله وحرامه وحدوده وشرعه ونظامه حتى بلغ ما بلغ في تفسير كتاب الله - عز وجل -، ولزم زيدًا ولما توفي زيد ودفن بلغت وفاته أبا هريرة فقال أبو هريرة - رضي الله عنه - وكان الصحابة يعترفون للعلماء بالفضل قال - رضي الله عنه - وأرضاه-: لقد دفن اليوم علم كثير؛ ولكن لعل الله أن يجعل لنا في ابن عباس خلفا أصبح ابن عباس هو الخليفة لزيد بالجد والاجتهاد والتضحية العلم لاينال بالتمني ولا بالتشهي ولا بالأحساب ولا بالأنساب ولا بالفضول ولا بإضاعة الأوقات؛ ولكن باكتحال