الصفحة 121 من 345

والحديث الموضوع تارة يُحْكَم عليه بالوضع من أجل راويه، وتارة يحكم عليه بالوضع لمتنه، ولكن راويه لا يوصف بأنه كذاب، فالمتن قد يكون موضوعا والراوي غير كذاب، كما في حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- الذي مرّ معنا:"من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار".

هذا الحديث رواه ثابت بن موسى عن شريك، وثابت هذا ما وصف بالكذب؛ وإنما أخطأ في هذا الحديث، ولهذا ابن نمير قال: ثابت بن موسى لا بأس به، والحديث منكر.

فأحيانا الحديث يكون موضوعا، والراوي لا يكون كذابا، فهذا الوصف يكون عندئذٍ متعلقا بالمتن، يكون الوصف متعلقا بالمتن، وهذا -كما مر معنا في كلام أبي حاتم- أنه يُسَمِّي الحديث موضوعا، مع أنه من رواية المجهول، أو الضعيف، أو المستور، أو غيرها ممن لم يبلغوا درجة الكذب، وهذا يدل على أن الحديث قد يوسم بأنه موضوع، ولكن الراوي لا يكون موصوفا بأنه راوٍ كذاب.

وأيضا الراوي قد يخطئ في الرواية، فتوصف روايته بأنها كذب، وإن كان ثقة في نفسه، لكن توصف هذه الرواية بعينها بأنها كذب، فهذا لا يقدح في الراوي؛ وإنما يقدح في روايته هذه، كما توصف بعض الأحاديث بأن هذا حديث أخطأ فيه فلان، أو هذا حديث معلول تفرد به فلان.

فكونهم يقولون: هذا كذب والراوي ثقة، لا يعنون به الكذب الاصطلاحي، وأن الراوي قد تلبَّسَ به؛ لأنه لو تلبس به -وهو متعمد للكذب- لسقطت كل رواياته، ولكن المراد في مثل هذه الحالة أن هذه الرواية كذب، وإن كان الراوي ثقة، ومعلوم أن المقالة قد تكون كذبا، والقائل لا يكون كاذبا كما هو معروف عند أهل العلم.

وهذا مثل ما روى أو جاء أبو جزيّ نصر بن طريف إلى جرير بن حازم ليشفع برجل لكي يحدثه جرير، فحدثه جرير بحديث قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. وساق الحديث، فأنكره أبو جزي، وقال: كذب.

فهو لم يقصد تكذيب جرير بن حازم، وإنما قصد أن جرير بن حازم أخطأ في سند هذا الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت