فهرس الكتاب
والثاني: مجرد تفرد الضعيف، فالضعيف إذا روى لنا حديثًا تفرد به، ولم يتابعه عليه أحد، فهذا يسمى شاذًا، فإن تفرد بحديث، وخالف فيه فهو منكر وشاذ بمرة؛ لأنه أشد شذوذًا مما قبله، أشد شذوذًا من مخالفة الثقة، لمن هو أوثق منه، أو الصدوق لمن هو أوثق منه.
فهذا هو الشاذ، وأما المنكر فهو تفرد الضعيف، ولو مع عدم المخالفة يسمى منكرًا، فإذا روى لنا الراوي الضعيف حديثًا، ولم يتابعه عليه أحد، حكمنا عليه بأنه منكر، وهذا جارٍ جريانًا واسعًا على اصطلاح أهل الحديث.
وذكر المؤلف -أيضًا- أن من المنكر، قال:"وقد يعد تفرد الصدوق منكرًا". والصدوق -كما تقدم- هو الذي يحسَّن حديثه، فإذا تفرد بحديث، قد يعده بعض العلماء حديثًا منكرًا، وإن لم يخالف فيه أحدًا، بل يعد كثير من أهل العلم تفرد الثقة بالحديث الذي لا يتابع عليه منكرًا، ولا يعمل به، كما هو شأن الإمام أحمد وغيره من جماعة الحفاظ، يعدون مجرد التفرد إذا روى الثقة حديثًا لا يشاركه فيه غيره يعدونه منكرًا لا يعمل به، وبعضهم يسميه منكرًا من باب التسمية، وأما في الحكم فإنه يُعْمَل به.
والشاهد من هذا قضية تفرد الثقة هذه لها مبحث كبير جدًا، فيُتْرَك ويؤخذ بالاصطلاح المتأخر، نجري على الاصطلاح المتأخر، وهو الذي اعتمده الشيخان في الصحيح، أن تفرد الثقة لا يعد نكارة؛ وإنما يعد النكارة من تفرد الضعيف يعد نكارة، وقد يعد تفرد الصدوق منكرًا إذا احتفَّتْ به بعض القرائن.
وسيأتي -إن شاء الله- أن الثقات الأئمة الأثبات يروي أحدهم مائتي ألف حديث، ولا يتفرد إلا، أو لا يوجد له تفرد إلا بحديثين أو ثلاثة، كما سيورد المؤلف -إن شاء الله تعالى.
الشاهد أن قضية التفرد هذه قضية متعلقة بالنكارة والشذوذ، فإذا كان المتفرد ضعيفًا بحديث لا يتابع عليه، فهو حديث منكر، وهذا مما يضعف به، ومما يكون سببًا لتضعيف الراوي، وعدم اعتبار أحاديثه الأخرى إذا كثر منه رواية مثل هذه المناكير والشواذ.