فهرس الكتاب
مثل تفرد هؤلاء الثقات -يعني- مثل هؤلاء الذين تُكلم في حفظهم يحتاج إلى توقف، ولهذا الحاكم في المستدرك أعلَّ هذا الحديث بأنه حديث شاذ بمرة، وليس شاذًا؛ وإنما شاذ بمرة لتفرد جعفر بن برقان بهذا الحديث.
فتبين بذلك أن الشاذ والمنكر على درجات: منه ما هو منكر جدًا، ومنه ما هو منكر، ومنه ما هو شاذ بمرة، ومنه ما هو شاذ، وهذا باختلاف القرائن.
فمثلًا: صلاة التسبيح -يعني- في إسنادها موسى بن عبد العزيز، فهذا يصلح أن يكون شاذًا، ويصلح أن يكون منكرًا؛ لأن موسى بن عبد العزيز لا تحتمل حاله التفرد.
لكن لما رأى بعض العلماء أن هذه الصلاة مخالفة لهيئة الصلوات الأخرى قالوا: هذه قرينة على نكارة هذا الحديث وشدة شذوذه، فكون هذه الصلاة أربع ركعات، يُقرأ في الأولى الفاتحة وسورة من القرآن، ثم يسبح الله تعالى، ثم يركع ويسبح الله -تعالى- بتسبيح خاص، ويرفع ويسبح الله -تعالى- بتسبيح خاص، ثم يسجد ويسبح الله بتسبيح، كلها تسبيح واحد، ويجلس بين السجدتين يسبح الله بتسبيح.
هذا كله منافٍ للمعروف بين عموم الصلوات، فكونه خالف ما عهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلواته، ويتفرد بها مثل هذا الراوي، وإن قواه بعض العلماء، لكن يتفرد بهذا الحديث، هذا يدل على أنه لم يضبط هذا الحديث، وأن هذا حديث منكر من الحديث وشاذ، وأنه حديث شاذ لوجود القرنية.
فصار الشذوذ والنكارة على مراتب، صار الشذوذ والنكارة يطلقان على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل تفرده، مع عدم المخالفة، وينفرد المنكر بأن الصدوق إذا تفرد بحديث، ولو لم يخالف فيه، فإنه قد يحكم على حديثه بأنه منكر، والشاذ ينفرد فيه الثقة أو ينفرد به الثقة والصدوق إذا خالفا من هم أوثق منهما.
والثقة قد يخالف من هو أوثق منه؛ سواء كان ذلك في سند الحديث، أو في متنه.