فهرس الكتاب
كما ذكر غير واحد من الأئمة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف لم يسمع من أبيه، فإذا جاءنا حديث فيه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، نقول:"عن"هذه منقطعة؛ لأن أبا سلمة ثبت جزما -بكلام الإمام أحمد وابن المديني وابن معين وابن زرعة- أنه لم يسمع من أبيه.
إذن، إذا ثبت أن الراوي لم يسمع ممن روى عنه -ولو كان معاصرا له- فإن كلمة"عن"هذه تُحمل على الانقطاع، وهذا باتفاق أهل الحديث.
الصورة الثالثة: أن تكون هناك قرينة قوية دالة على أن هذا الراوي لم يسمع من روَى عنه بالعنعنة، وهذه المرتبة دون المرتبة التي قبلها؛ لأن الأولى ثبت أنه لم يسمع، وها هنا إنما هو عن قريب القرينة القوية الدالة على أنه لم يسمع.
وهذه القرينة يشترك في اعتبارها أئمة الحديث، حتى الإمام مسلم الذي يخالف مذهب جمهور العلماء -كما سيأتي إن شاء الله- يوافق أئمة الحديث على هذا؛ فإنه ذكر في مقدمة الصحيح أن: رواية الراوي عمن عاصره محمولة على السماع أبدا إلا إذا قامت بينة تمنع من هذا، وها هنا إذا قامت قرينة قوية فهي بينة دالة على عدم السماع.
والإمام مسلم في تطبيق لهذا القاعدة لما جاء في كتابه"التمييز"لحديث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس، ذكر الإمام مسلم أن هذا منقطع، مع أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لما توفي جده عبد الله كان له من العمر ثمان إلى عشر سنوات، فهو قد عاصر جده وأدركه، ومع ذلك حكم الإمام مسلم على هذه الرواية بالانقطاع، وقال: لا يُعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه رآه، ولا لقيه.
لماذا قال مسلم هذا الكلام، مع أن عند مسلم المعاصرة تكفي؟
قال مسلم: لأن محمد بن علي هذا معروف بالرواية عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، فهو دائما يروي عن أبيه علي بن عبد الله، عن جده عبد الله بن عباس.