الصفحة 195 من 345

الضعيف لم يسقطه لأنه ضعيف عنده -وهو إن كان ضعيفا عند غيره لكنه ليس ضعيفا عنده- فأسقطه لكونه ثقة عنده، وإن كان ضعيفا عند غيره.

إذن هذا الإسقاط لا لأجل أنه ضعيف ويعتقد ضعفه، وإنما أسقطه لأجل أنه ثقة عنده، أو أسقطه وهو ضعيف عنده أيضا، ولكن روى من أحاديثه ما ميزها وعلم أنها صحيحة.

الحالة الأولى: هو ثقة عند هذا المدلِّس ضعيف عند غيره، وهذا محمل حسن، والمحمل الآخر أن يكون ضعيفا عنده -هو يعتقد أنه ضعيف-، ولكن الأحاديث التي دلسها عنه هو يعتقد صحتها؛ لأنه ميزها من أحاديثه؛ لأن الأئمة عادتهم جارية أنهم يميزون بين أحاديث الراوي، وإن كان الراوي في نفسه ضعيفا.

فسفيان بن عيينة مثلا إذا روى عن إبراهيم الهجري صار الحديث صحيحا، وإذا روى عن الهجري غير سفيان بن عيينة صار الحديث ضعيفا؛ لضعف الهجري، وإنما صُحح حديث سفيان عن الهجري؛ لأن سفيان ذكر أنه ميز أحاديثه، ميز أحاديث الهجري.

فهؤلاء الرواة المدلسون -وهم من الثقات الأثبات- إنما أسقطوا هؤلاء الضعفاء؛ لظنهم إما أنهم باعتقادهم أنهم ثقات وإن كانوا ضعفاء غيرهم، أو لأنهم خرَّجوا من أحاديثهم التي أسقطوهم فيها ما يعتقدون أنه صحيح، وصنعوا ذلك لئلا يُردَّ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - صنعوا ذلك حفاظا على السُنة؛ لأنهم لو أبرزوا هذا الراوي الضعيف وغيرهم لا يعلم بحاله لضعَّف الحديث بسببه، فهم يسقطون هذا الراوي من باب المحافظة على السنة وإظهارها.

ولهذا ذكر بعض العلماء أن هؤلاء الأئمة الثقات ما فعلوا هذا التدليس إلا نصحا للأمة من هذا الباب، وبعض العلماء -يعني- تجوَّز في الرواية أو إسقاط الضعفاء لأعذار -يعني- ليست مثل هذه الأعذار، وإن كانت في ذاتها -يعني- خطأ، لكنها تزيل عنه تهمة التلبيس.

فمثلا ابن جُرَيج كان يدلس عن شيخه الأوزاعي، يسقطه، يدلس تدليسا، في تدليس التسوية، يسقط الراوي بين الأوزاعي وبين شيخه، وإذا سئل عن ذلك قال: أُنبل الأوزاعي أن يروي عن الضعفاء، فهذا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت