الصفحة 197 من 345

ذكر بعض أهل العلم أن الحارث إنما صنع ذلك لأن ابن أبي الدنيا أصغر منه، فهو صغير السن -ابن أبي الدنيا-، فكأن الحارث لصغر سن ابن أبي الدنيا يعني: سماه بأسماء مختلفة، أو لقبه بألقاب مختلفة حياء من الرواية عن الصغير، هكذا قيل، هكذا ذكر بعض العلماء، والله أعلم بذلك.

لكن قد يكون ابن أبي الدنيا مشهورا بهذه الألقاب كلها معروفا، كلما أطلق عليه اسم منها كان معروفا به، وحَمْله على أنه يستحيي من شيخه هذا بعيد في حق العلماء، بعيد في حق العلماء، فهذا يسمى تدليس الشيوخ.

وتدليس الشيوخ أخف بمراحل كثيرة من تدليس الإسناد؛ لأنه ليس فيه إسقاط، وإنما فيه إيهام وتوعير للأسانيد فقط، يعني: لأن الراوي أحيانا يطَّلع مثلا إذا قال:"أبو بكر الأموي"، يبحث، ما يدري من أبو بكر الأموي هذا؟ فربما ضُعِّف الحديث لاعتقاد الجهالة في هذا الراوي، وهو في نفس الوقت ليس ضعيفا ولا مجهولا، بل هو معروف، فمن هذا الباب كره العلماء تدليس الشيوخ، وهو ليس فيه إسقاط. نعم.

أو إيهاما بتكثير الشيوخ بأن يسمي الشيخ مرة ويكنيه أخرى، وينسبه إلى صنعة أو بلد لا يكاد يُعرف به.

وهذا"لينسب إلى بلد": هذا يطلق عليه بعض العلماء تدليس البلدان، أو تدليس البلدان باعتبار الوصف القائم بالرجل، باعتبار الوصف، فإذا قال مثلا: حدثني النهرواني ينصرف إلى النهروان التي قامت عليها المعركة، ينصرف إليها، فهو وصف للشخص بما يعود إلى البلد، فهذا تارة يدخل في تدليس الشيوخ، وتارة يدخل في تدليس البلدان.

يدخل في تدليس الشيوخ على اعتبار أن هذا لقب، وهذا جاء بلقب لا يُعرف به، ويدخل في تدليس البلدان باعتبار أنه وصفه، أو جعل فيه وصفا قائما عائدا إلى بلد معينة، فيتوهم السامع أنه حدثه بتلك البلاد. نعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت