الصفحة 203 من 345

وبكل حال التدليس منافٍ للإخلاص لما فيه من التزين.

هذا يعني: أن التدليس في الغالب أنه يأتي من باب التزين، إما بإيهام علو الإسناد، أو كثرة الشيوخ، أو الرحلة في طلب الحديث، أو غير ذلك من الأشياء، وهذا كما في الحديث الصحيح:"المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور"وبهذا انتهى كلام المؤلف على التدليس، وبقي نوعان من التدليس لم يذكرهما المؤلف، وهما جديران بالذكر.

الأول: هو تدليس التسوية، ويسميه العلماء المتقدمون: التسوية، بدون كلمات التدليس، وهذا التدليس -تدليس التسوية- هو أن يسقط الراوي شيخا، أن يسقط الراوي -أو هذا المدلس- أن يسقط المدلس راويا بين راويين حصل السماع بينهما، وهذا يوضحه المثال.

المثال عندنا هُشيم روى حديثا: هُشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، هكذا هُشيم أسقط راويا بين يحيى بن سعيد والزهري، وهذا الراوي هو الإمام مالك، فصحة الإسناد: هُشيم، عن يحيى، عن مالك، عن الزهري، هكذا صحة الإسناد، لكن هُشيم بن بشير معروف بتدليس التسوية، أسقط مالكا بين يحيى والزهري، وسوَّى الإسناد.

هنا الانقطاع لا يظهر، الانقطاع هنا لا يظهر، لماذا؟ لأن يحيى بن سعيد أصلا يروي عن الزهري، يحيى بن سعيد أصلا له رواية عن الزهري، ويحيى بن سعيد ليس مُدلسا، فجاء هشيم فأسقط مالكا، وقال: يحيى بن سعيد عن الزهري.

فالذي ينظر في هذا الإسناد: يحيى بن سعيد الأنصاري.

أولا: ثبت سماعه من الزهري.

وثانيا: أنه ليس بمدلس، فعنعنته على الاتصال، لكن تبين بعد ذلك بجمع طرق الحديث أن هشيم دلس هذا الحديث، وهذا يسمى تدليس تسوية، إذن هُشيم بن بشير ما أسقط شيخه، وإنما أسقط شيخ شيخه، وهذا ينطبق على شيخ شيخه فمن فوقه، إذن هذا هو يسمى تدليس التسوية، وهذا شر التدليس؛ لأنه لا يستبين لكل أحد، وبخاصة إذا كان الرواي المُسقَط ضعيفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت