فهرس الكتاب
ويشتركان في أربعة شروط إلا في الضبط؛ لأن الصحيح لذاته يكون راويه تام الضبط، وأما الصحيح لغيره -ففي الأصل- يكون راويه خفيف الضبط، لكن هذه الخفة تنجبر بورود الحديث من طريق أخرى، وهذان القسمان موجودان بكثرة في الصحيحين؛ ولهذا تجدون بعض الرواة المخرج لهم في الصحيحين، قد تكلم فيهم من جهة الحفظ، لكن الشيخين في الغالب لا يخرجان لهما إلا في المتابعات، ولا يخرجان لهم على سبيل الاحتجاج، وإنما يذكرون هؤلاء الرواة، الذي قد خف ضبطهم في المتابعات.
فإذا اعترض متابع مع متابع مع متابع -ترقى الحديث الصحيح لغيره، صار حديثا صحيحا لغيره.
فالصحيحان مشتملان على هذين القسمين، وإن كان ما في صحيح مسلم من الصحيح لغيره، أكثر مما في صحيح البخاري، فالشيخان يخرجان لمن خف ضبطه، إذا كان عندهم أصل لهذا الحديث، أو كان الحديث، أو ورد الحديث الذي خف ضبط رواته من طرق متعددة، كل هذه الطرق ترفع من مقام الحفظ للراوي الذي خف ضبطه، ترفع من مقامه في هذا الحديث بخصوصه؛ لأننا نشترط تمام الضبط في راوي الصحيح، ليصل إلينا صحيحا سالما.
فإذا تتابع الرواة، ولو مع خفة الضبط على رواية حديث ما -فإنه حينئذ كل واحد منهما يجبر حفظه ما خف من ضبط الآخر في هذا الحديث بخصوصه؛ ولهذا خرج الشيخان الحديث الصحيح لغيره، مع خفة ضبط الرواة، وإنما صنعا ذلك؛ لأن هذه الخفة جاءت بتعدد طرق الحديث.
بقي في هذا أن نذكر التمثيل للحديث الصحيح؛ حتى يتضح تعريفه. فالحديث الصحيح مثاله: ما رواه النسائي في سننه، عن شيخه يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عمار بن ياسر، في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -"اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي"فهذا الحديث إذا نظرنا في سنده -وجدنا أولا: أن رجاله ثقات وكلهم ثقات، ولا تكلم في أحد منهم، هذا الشرط الأول.