الصفحة 77 من 345

وهذا الاصطلاح أو هذه اللفظة إطلاقها من الحافظ الترمذي -رحمه الله-، ليس هو أول من قال بها وإنما سبقه غيره، كعلي بن المديني وآخرون، سبقوه إلى إطلاق هذه اللفظة، فيلزم عليه أن أهل الفن يطلقون هذه اللفظة ويريدون بها الحسن اللغوي، وهذا خلاف الظاهر لأن جميع الأحكام التي أوردها الترمذي في صحيحه أو في جامعه، إنما أراد بها اصطلاح أو بيان اصطلاح أهل الفن وأحكامهم على هذه الأحاديث.

والحافظ بن كثير- رحمه الله- يرى أن قوله: حسن صحيح مرتبة متوسطة بين الصحة والحسن، فيكون عنده أو تكون الأحاديث عنده مراتب الصحيح، ثم الحسن الصحيح، ثم الحسن ثم الضعيف، ويكون هذا كقولهم: في المز حامض حلو، فهو مشوب بالحلاوة والحموضة، والحديث الذي يقال فيه حسن صحيح، كأنه جمع بين الحسن من جهة وبين الصحة من جهة فتجاذبه الطرفان.

وهذا الكلام الكلام، كلام غير صحيح، كما نص عليه الحافظ بن رجب- رحمه الله-، أو كلام بعيد؛ لأن هناك أحاديث رويت بأسانيد وصفت بأنها أصح الأسانيد، كمالك عن نافع عن ابن عمر والزهري عن سالم عن أبيه، ومع ذلك قال فيها الترمذي: حسن صحيح، قال عن سندها حسن صحيح، وهذه الأسانيد التي وصفت بأنها أصح الأسانيد، هذه مرتفعة عن رتبة الحسن وبالغة رتبة الصحة، بل بالغة أعلى مراتب الصحة، كما تقدم معنا فليست مشوبة بحسن، كما ذكرها الحافظ بن كثير- رحمه الله تعالى-.

والحافظ ابن حجر يرى أن قوله: حسن صحيح هذا ينصرف على وجهين: إن كان الإسناد أو الحديث الوارد في السنن له إسناد، فكلمة حسن صحيح راجعة إلى هذين الإسنادين، فيكون إسناد منها حسنا، وإسناد منها صحيحا، وإن لم يكن للحديث إلا إسناد واحد.

فيكون المعنى أن الإمام الترمذي- رحمه الله- متردد في الحكم على الحديث، هل هو حسن؟، أم قد بلغ رتبة الصحة؟ فقوله: حسن صحيح، هذا إشارة إلى أن هناك اختلافا في هذا الحديث، هل هو يبلغ درجة الصحة؟، أو هو باق على الحسن؟ وهذا كلام كله بعيد، والأظهر ما تقدم لكم أن اصطلاحات الترمذي فيها ما هو مفرد، وفيها ما هو مركب، وفيها ما شرحه المؤلف، وفيها ما لم يشرحه المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت