فهرس الكتاب
معنى الحديث:
أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن استيقظ من منامه ليلًا أن يستنثر ثلاثًا، وهذا الاستنثار إما أن يكون قبل الوضوء، وإما أن يكون في الوضوء كما يأتي في الأحكام، إن شاء الله.
وعلل ذلك -عليه الصلاة والسلام- بأن الشيطان وهو شيطان الجن المصاحب للإنسان يبيت على هذا الموطن وهو الخيشوم الذي هو الأنف.
لغة الحديث:
قوله:"إذا استيقظ"تيقظ: هذا يكون بعد منام، أو بعد غفلة في اللغة، ويكون من نوم الليل، ونوم النهار جميعا فكل منام بعده يقظة، قوله:"من منامه"المراد بالنوم هنا نوم الليل دون نوم النهار؛ لأنه قال في آخر الحديث:"فإن الشيطان يبيت على خيشومه"والبيتوتة تكون في الليل فيقال: بات في الليل وظل في النهار.
قوله:"فليستنثر"الاستنثار: أصل استفعل تكون للطلب، يعني الغالب في اللغة أن استفعل تكون للطلب واستنثر هي استفعال من النثر، ولكن هنا ليس المراد منها طلب هذا الشيء، وإنما المراد المبالغة في النثر؛ لأن من أوجه اللغة أنه يزاد السين والتاء في الفعل فيكون سداسيًا أو خماسيًا بأجل تحقيقه، دون نظر إلى أن يكون معناها الطلب.
وهذا له أمثلة كثيرة ومنها قول الله -جل وعلا-: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} [1] استغنى: ليس معناه طلب الغنى، إنما استغنى يعني غنى غنًا كاملًا، أما الباب فهو استفعل يعني للطلب، استسقى لطلب السقي، استغاث لطلب الإغاثة، استعان لطلب الإعانة، هذا هو الباب المطرد، لكن يخرج عنها يخرج عن هذا الباب أشياء.
فإذًا في قوله:"فليستثنر"يعني يبالغ في ذلك أو يتأكد ذلك، فإن الشيطان يكون لما هو بعيد عن الخير أو بعيد عن الأخلاق المرضية، ولهذا يقال للكافر شيطان، وللجن شيطان، وللفاسق شيطان، ويقال
(1) - سورة التغابن آية: 6.