فهرس الكتاب
ولكن تكلم العلماء، -أعني علماء الحديث- في قوله:"من استطاع منكم أن يطيل غرته -يعني: وتحجيله- فليفعل"هل هذا من كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- أو هو مدرج على بحث معروف طويل.
لكن حاصله أن الصواب في ذلك أنه مُدْرَج من كلام أبي هريرة - رضي الله عنه - وأنه ليس من المرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- لأجل تفرد راوٍ به وهو نعيم عن سائر رواة الحديث.
من أحكام الحديث:
أولا: دل الحديث على إكرام الله- جل وعلا- لهذه الأمة، وأن هذه الأمة اختصها الله -جل وعلا- بأشياء لم يجعلها لغيرها من الأمم. فمما اختص الله -جل وعلا- به هذه الأمة هذا الإكرام والثواب والجزاء على الطهارة والوضوء بأن الله -جل وعلا- يبعثها في وضاءة ونور في الوجه وفي الأطراف؛ وذلك لأجل أنهم تطهروا كما أمرهم الله - جل وعلا-. قال العلماء: الوضوء والصلاة كانا عند من قبلنا من الأمم، ولكن كانت الصلاة على نحو ما، كما جاء في شريعة كل نبي، والوضوء أيضا: استعمال للماء على ما يشابه هذه الصفة، أو على مثل هذه الصفة التي في شريعتنا. فإذن الوضوء والصلاة ليست مما اختص الله -جل وعلا- بها هذه الشريعة شريعة الإسلام. ومعلوم أن الأنبياء دينهم واحد ولكن الشرائع شتى. فالوضوء موجود، ولكن أثر الوضوء والثواب عليه والجزاء والإكرام اختص الله - جل وعلا- به هذه الأمة بأن جعلها غرة، بأن جعل هذه الأمة يأتون يوم القيامة غرًا محجلين.
ثانيًا الغرة والتحجيل: دل الحديث على أنها من أثر الوضوء. والوضوء الألف واللام فيه للعهد يعني الوضوء المعهود، والوضوء المعهود هو الذي سَنَّهُ وعلمه أمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [1] .
(1) - سورة المائدة آية: 6.