فهرس الكتاب
الترتيب، والترتيب يحتاج إلى دليل زائد عن معنى حرف الواو لهذا قوله:"ابدءوا بما بدأ الله به"يعني أن الأمر إذا أمر به الله -جل وعلا- في القرآن فإنه يرتب بحسب ما بدأ الله به.
وهذا يطبق حتى في الصلاة طبقها النبي -عليه الصلاة والسلام- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا (( (( (( (( (( (( (} [1] فيقدم الركوع على السجود، وهذه قاعدة لها نظائرها.
إذن دل الحديث سواء بلفظ الأمر أو بلفظ الخبر على أن ما جاء في القرآن من أمور العبادات بمتعدد بالواو فإنه يقدم الأول ويرتب على ما بعده يعني يرتب الثاني على الأول ويكون الأول مقدما ثم الثاني على وجه الترتيب.
ثانيا: الحديث فيه دلالة سواء بلفظ الخبر أو بلفظ الأمر فيه دلالة على وجوب الترتيب في الوضوء وهو وإن كان في صفة حجه -عليه الصلاة والسلام- إلا أنه يعم جميع الأنواع لم؟ لأنه -عليه الصلاة والسلام- قَعَّدَ القاعدة ثم جعل البداية بالصفا مثالا لها فقال:"أبدأ بما بدأ الله به"وهذا عام أو مطلق وتقييده بسببه ليس بوجيه لهذا نقول: إن هذا، وإن كان في سياق الحجة، فالعلماء يستدلون به في البداية مطلقا، لهذا الحافظ ابن حجر أورده في مباحث الوضوء ليكون دليلا على وجوب الترتيب فإذن الحديث فيه دلالة على وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، والعلماء اختلفوا هل يجب الترتيب أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن الترتيب لا يجب؛ لأنه لا دليل على الترتيب واضح والحديث صحته"أبدأ بما بدأ الله به"ولأنه جاء أنه -عليه الصلاة والسلام- توضأ غير مرتب.
وهذا مذهب الحنفية، مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومذهب جماعة قليلة من أهل العلم، والقول الثاني وهو الصحيح لما سيأتي من الأدلة له أن الترتيب فرض وأن من فرائض الوضوء الترتيب، ووجه الاستدلال عليه أن الله -جل وعلا- عطف بين فرائض الوضوء بالواو فقال اغسلوا: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى (( (( (( (( (( (( (} [2] فعطف بالواو ثم قال: {وَامْسَحُوا (( (( (( (( (( (( (} [3] فعطف بالواو ثم قال: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [4] فعطف بالواو.
والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب إلا بدليل زائد في المتعاطفات، والدليل هنا أنه -جل وعلا- أدخل الممسوح بين المغسولات، ومعلوم أن إدخال الممسوح فيه إنشاء فعل جديد وإنشاء جملة؛ لأن العطف الأول هو {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (( (( (( (( (( (( (( } [5] الأيدي عطفت على الوجوه فهو عطف كلمة على كلمة أما قوله: {وَامْسَحُوا (( (( (( (( (( (( (} [6] فهذا عطف جملة على جملة؛ لأنه أتى بفعل جديد وهو المسح ثم بعدها عطف بالواو قال: { (( (( (( (( (( (( (( } [7] إعادة إلى الفعل الأول.
والعرب لا تستعمل مثل هذا مطلقا إلا فيما يراد به الترتيب؛ لأن الأصل أنه إذا لم يرد الترتيب أن يجمع عطف المفردات على بعضها، ثم يؤتى بعطف الجملة بعد ذلك فيكون النسق لو لم يرد به الترتيب: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، فيكون الجميع معطوف عطف مفردات.
ثم يعطف جملة فعلية على جملة فعلية فيقول: وامسحوا برءوسكم ولما لم يحصل ذلك وإنما أدخل الممسوح بين المغسولات وأدخل عطف الجملة على عطف المفردات دل هذا على وجوب الترتيب؛ لأن العرب لا تستعمل هذا في كلامها إلا إذا أرادت الترتيب في ذلك.
الدليل الثاني: هذا الحديث وهو أنه-عليه الصلاة والسلام- قال:"أبدأ بما بدأ الله به"وفي الصفا والمروة أجمع العلماء على أنه يبتدئ بالصفا محتجين بقوله:"أبدأ بما بدأ الله به"فجعلوا ابتدائه بالصفا
(1) - سورة الحج آية: 77.
(2) - سورة المائدة آية: 6.
(3) - سورة المائدة آية: 6.
(4) - سورة المائدة آية: 6.
(5) - سورة المائدة آية: 6.
(6) - سورة المائدة آية: 6.
(7) - سورة المائدة آية: 6.