فهرس الكتاب
أن كل ما لا نفس له سائلة فإنه، إذا مات في الشراب فإنه لا ينجس الشراب به، وعلة ذلك أن سبب التنجيس هو وجود الدم.
وقولنا:"ما لا نفس له سائلة"يعني: ما لا دم له سائل يجري في عروقه، وإذا مات خرج منه الدم، فإذن موته هنا وحياته ليست بالدم وجودا ووقوفا وعدما، وإنما هي بوجود النفس فقط فإذا هذا الحكم وهو أن موت الذباب في الشراب أو في الطعام لا ينجسه سواء كان جامدا أم كان سائلا لا ينجسه، وهذا حكم لكل ما لا نفس له سائلة ممن هو من جنس الذباب.
الفائدة الثانية: أو الحكم الثاني: أن اسم الذباب -كما ذكرت لكم- في اللغة يعم أصنافا كثيرة، فهل الحكم لكل أنواع الذباب أم لما سمي ذبابا بخصوصه وهو الطير الصغير المعروف، الأظهر هو الثاني لأجل مزيد العلة، وهي قوله:"فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء"وقوله:"وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء"والذين تأملوا وجدوا أن هذا الوصف إنما هو في الذباب المعروف لا في كل ما يصلح عليه أنه ذباب.
الحكم الثالث: أن قوله -عليه الصلاة والسلام-"فليغمسه ثم لينزعه"هذا أمر، وهل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب، من أهل العلم من أبقى الأمر على أصله فقال هو للوجوب.
والقول الثاني: أن هذا الأمر محمول على الاستحباب؛ لأن الصارف له أنه من الآداب ومن الصوارف المعتبرة التي تصرف الأمر من الوجوب الى الاستحباب أن يكون الأمر الذي جاء فيه الوجوب أو جاء فيه الأمر أن يكون الأمر الذي أمر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن يكون أدبا من الآداب، بهذا حملوا أحاديث كثيرة، أعني جمهور العلماء على -أحاديث كثيرة فيها الأمر حملوها على- الاستحباب، وحملوا النهي على الكراهة لأجل أن الحكم الذي اشتمل عليه ذاك الحديث إنما هو الأدب مثل الأمر بالأكل باليمين والشرب باليمين وأشباه ذلك، فإن هذا لما حمل على الأدب جعلوا الأمر للاستحباب، وهذا هنا وارد فيكون الحكم هنا ليس على الإيجاب، وإنما هو على الاستحباب فليغمسه يعني: استحبابا، ثم لينزعه استحبابا فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء.