فهرس الكتاب
معلوم أن الحديث دل على تحريم الأكل والشرب، وهكذا سائر الحديث التي فيها النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة، إنما جاء في الأكل والشرب خاصة فهل يحرم الاستعمال؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال، أشهرها قولان:
الأول: أنه لا يحرم الاستعمال، والقول الثاني هو قول الشافعي -رحمه الله تعالى- والذين قالوا بالأول قالوا بحرمة الاستعمال، قالوا لأن العلة الموجودة في الأكل والشرب، هي موجودة -أيضا- في الاستعمال في أشياء أخر يستعملها في الكحل، مثلا امرأة تستعملها في الكحل، رجل يستعملها في أقلام، استعمال في أي شيء، فهذا العلة موجودة فيه؛ فلذلك قالوا يحرم الاستعمال؛ لأن العلة موجودة.
والقول الثاني: الذي هو قول الشافعي وجماعات كثيرة من أهل العلم إن الحديث إنما نص على الأكل والشرب، وأما الاستعمال في غير الأكل والشرب فلم يأت نهي عن ذلك، بل جاء في البخاري أن أحد أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- كان عندها قمقم أو جلجل من فضة، وهذا يدل على أنها اتخذت ذلك إما باستخدامه في كحل أو طيب أو نحو ذلك.
والصحيح من القولين أنه يجب قصر المسألة على ما جاء فيه الدليل، فما جاء فيه الدليل، وهو تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة هو الذي يقيد به، وأما ما لم يأت به الدليل من جهة الاستعمال أو الاتخاذ أو نحو ذلك فإنه لا يحرم؛ لأن الدليل لم يأت به والعلة التي ذكروها من أن فيها كسر قلوب الفقراء، أو أن فيها تضييقا للنقل هذه لا تستقيم في كل حال؛ ولهذا تعليل بها قد يكون في الأكل والشرب في الإناء إناء الذهب والفضة كعلة كاشفة له، لكن أن تكون علة للحكم الشرعي فإن في الدليل هذا الذي معنا لم يعلل فيه إلا من جهة الكبر، فقال:"فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فإذن أقول: الصحيح الذي عليه طائفة من المحققين والمجتهدين من أهل العلم أن هذا يخص بإناء الذهب والفضة الذي يؤكل ويشرب فيه، وأما ما يستعمل في غيرهما فلا يحرم، وكذلك ما يتخذ بلا استعمال يعني: يشتري إناء ذهب ويجعله عنده دون أن يستعمله، إما لمنظر أو بغرض يستفيد منه في بيع في وقت