فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 417

أنكر، فثم فرق بين قولهم: إنها ميتة، وما لو قالوا: هي ميتة، فقولهم لو قالوا هي ميتة؛ إخبار لمن لا يعرف الحال ولا يناسب؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يراها أنها ميتة؛ فلذلك قالوا: إنها ميتة، فقولهم: إنها ميتة هذا فيه رد على النبي -عليه الصلاة والسلام- في قوله:"لو أخذتم إهابها"رد من هو مستغرب ومستفصل في أخذ التوجيه الكريم من النبي -عليه الصلاة والسلام-.

وهذا عام في اللغة ينبغي التنبه له أن الخالي من الخبر يلقى عليه الخبر بالمبتدأ والخبر، يقول مثلا: فلان قادم، ما عندك خبر فلان قادم لكن إذا كان عندك تشكك، أو المخبر أراد أن ينزل الثاني ينزل المخاطب منزلة المتشكك أو منزلة المفيد أو منزلة المنكر؛ ليفيد فيأتي بلفظ"إن"؛ لأن كلمة إن تفيد التأكيد في ذلك فيأتي ويقول: إن فلانا قادم، يعني: أن هذا يعلم أنه قادم، ولكن أنا أؤكد لك إذا كان عندك استغراب، إذا كان عندك شك في الموضوع فيؤكد على ذلك، ويزاد التأكيد تارة إذا كان ثم شك، أو ثم إنكار، أو مزيد استفصال، أو تنزيل المخاطب منزلة الشاك يزاد التأكيد بمجيء اللام في خبر إن مثل يقول: إن فلانا لقادم، إن فلانا لقادم هذه أشد، يعني: أن يكون أنت المنكر أو المتشكك أنا أؤكد لك الأمر الذي أنت فيه منكر أو متشكك فيما ذكرته.

ومثاله في القرآن مما قد يعلق بأذهانكم ما جاء في قصة القرية في سورة يس قال -جل وعلا-: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ جَاءَهَا جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (( (( } [1] فنزلوهم في الأول منزلة الشاك، منزلة الراد فعرضوا إليهم الأمر؛ ليستنهضوا هممهم في الجواب والتصديق، {فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (( (( } [2] فلما كذبوا فقالوا {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا الرَّحْمَنُ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ(15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (( (( } [3] ؛ لأن هذا فيه التأكيد البليغ في رد هذا الإنكار الذي أنكروه.

المقصود من ذلك أن في قول الصحابة في هذا إنها ميتة ما يوافق البلاغة في هذا، وهو الذي يقتضيه الحال، وطلب الجواب من النبي -عليه الصلاة والسلام- والإفادة. قال -عليه الصلاة والسلام-:"يطهرها الماء والقرظ"والتطهير يعني يرفع النجاسة عنها، يعني النجاسة الحسية.

درجة الحديث:

الحديث رواه أبو داود والنسائي بإسناد قوي.

من أحكام الحديث:

الحديث دل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة أن الميتة يمكن الانتفاع بجلدها وبشعرها؛ لأن الجلد يمكن أن يطهر بالماء والقرظ وبالدباغة، أما بدن الميتة ولحم الميتة فمعلوم أن حياته بالدم، ولما صار ميتة ولم يخرج هذا الدم النجس بل بقي فيه موجودا في اللحم وممتدا في العروق متوزعا في أنحاء البدن، فإنه لا يمكن إخراجه منه؛ لأنها صارت ميتة فصارت أجزاء البهيمة نجسة، ولا يجوز استعمالها، لا يجوز الأكل منها ولا استعمالها؛ لأن الدم منحبس فيها، ولا يمكن إخراجه بعد كونها ميتة، أما الأجزاء الظاهرية مثل الجلد والشعر فإن الجلد ملابس -الجلد الخارجي- ملابس لأجزاء اللحم، وبينه وبينه أغشية؛ فلذلك نجاسة الجلد لأجل المماسة لا لأجل الدم الذي فيه، لأجل المماسة لا لأجل الدم؛ لهذا صار يطهر بالدباغة وأبيح استعماله.

فإذن هذا الحديث دل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من أن جلد الميتة إذا دبغ فإنه يطهر، ويجوز استعماله.

ثانيا: في الحديث تلطف النبي -عليه الصلاة والسلام- مع صحابته في الجواب على السؤال وفي الإيراد، وهذا مما ينبغي على طالب العلم أن يتحلى به؛ اقتداء بنبينا -عليه الصلاة والسلام-، فيرشد لا

(1) - سورة يس آية: 13.

(2) - سورة يس آية: 14.

(3) - سورة يس آية: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت