فهرس الكتاب
الثالث: إن قوله -عليه الصلاة والسلام-:"إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها"هذا من جهة تنزيه وتكريم المسلم عن أن يستعمل آنية المشرك مطلقا، وهذا من جهة الاختيار، ولكن إن وجدها ولا يعلم نجاسة فيها فلا بأس باستعمالها مطلقة، كما ذكرنا لك في أول البحث نعم.
حديث"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة"
وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة"متفق عليه في حديث طويل.
قال -رحمه الله-: عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهما-"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة"متفق عليه من حديث طويل.
معنى الحديث:
أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه احتاجوا إلى ماء كان في مزادة امرأة مشركة، يعني في نحو القربة مع امرأة مشركة، فاستخدموه في الوضوء فتوضئوا منه.
لغة الحديث:
المزادة إناء من جلد مكون من ثلاث قطع يكون بمجموعها هذا الإناء يحوي الماء يعني تخاط الثلاث قطع على نحو ما فيكون حاويا للماء، وهو أقل من القربة يكون صغير مما يحمل عادة على الرواحل وأشباه ذلك، يعني أكبر من اللي يسمونه الناس المطارق أكبر منها بقدر الضعف، أو أكثر قليل جلدتين تلتقي من الأسفل ثم واحدة يعني بمعنى تكون مثلثة؛ ليتسع الإناء.
قوله:"امرأة مشركة"المرأة توصف بالشرك إذا كانت وثنية يعني ليست من أهل الكتاب، أما أهل الكتاب فلا يطلق عليهم في الكتاب والسنة أنهم مشركون، وإنما يقال لهم: كفار كما قال -جل وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [1] {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ (( (( (( (( (( (} [2] فغالب استعمال الكتاب والسنة الفرق ما بين أهل الكتاب والمشركين، فيقال لأهل الكتاب: كفار، ويقال للوثنيين: مشركون.
تخريج الحديث:
هذا الحديث كما ذكر متفق على صحته في حديث طويل لعمران بن حصين، فيه قصة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه لم يكن معهم ماء، فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بعض الصحابة أن يبحثوا عن ماء، فوجدوا امرأة مشركة، فسألوها عن الماء، فقالت:"عهدي بالماء مثل هذه الساعة"يعني أمس يعني أنه بعيد، فرأوا أن معها مزادة ماء، فساقوها إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-.
والحديث ذكر طائفة من أهل العلم تخريج الأحاديث أنه -كالنووي وغيره- أنه لم ينص فيه صراحة على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- توضأ، لكن سياق الحديث يقتضي بأنه لم يكن معهم ماء، وبحثوا عن ماء، وأتي لهم بهذه المزادة التي فيها ماء قليل فبورك فيها، وفي الحديث عدد من معجزات النبي -عليه الصلاة والسلام-.
من أحكام الحديث:
دل الحديث على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ كما مر معنا في الأحاديث السالفة؛ لأن ذبيحة المشرك تعتبر ميتة ولو كانت مذكاة؛ لأن شرط الإسلام ليس موجودا في المشرك، فذبيحته ولو ذكاها فهي ميتة، وجلد الميتة -الذي جلد المزادة- الذي مع المرأة قد يكون من مأكول اللحم، وقد يكون من غير مأكول اللحم، وعلى كل فهو ميتة، وما لابسه من الماء معلوم أن الماء رطب واستعماله حينئذ يدل على -مع قلة الماء- على أنه طاهر، فهذا يدل على أن استعمال الجلود بعد دباغتها جائز مطلقا، وأن الدباغة مطهرة.
ثانيا: دل الحديث على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أوتي الآيات والبراهين التي دلت على صدقه، ومن ذلك أنه يكثر له الماء القليل حتى يكفي الأمة الكثيرة من الناس، كما حصل مع هذا الماء الذي في مزادة المرأة المشركة وهو قليل فتوضأ منه النبي -عليه الصلاة والسلام- والجيش وكانوا كثرة جدا، والعلماء
(1) - سورة البينة آية: 1.
(2) - سورة البينة آية: 1.