فهرس الكتاب
ومن شكر العلم والله -جل وعلا- يقول: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [1] وكذلك بذله للناس جميعا بما علم فيه رحمة الخلق، فإن طالب العلم إذا اقتصر في علمه على نفسه ولم يُعَلِّم من حوله ولم يُعَلِّم المؤمنين المسلمين فإنه لم يحمل هذا العلم على حقيقته؛ لأن المقصود من حمل العلم أن يرفع المؤمن به الجهل عن نفسه ثم يرفع به الجهل عن غيره، كما ذكرنا لكم في النية الصالحة في العلم.
ولهذا ينبغي لكل أحد أن يُمَرِّنَ نفسه بأن يبذل العلم لمن حوله يعني علم معنى آية يشرحها لأهل بيته، يشرحها لزملائه بدون تَرَفُّع ولا تَكَبُّر ولا غرور بالعلم، بل عن تواضع ورغبة وانكسار؛ لأجل أن يكون ممن دخلوا في هذا الحديث"الراحمون يرحمهم الرحمن".
ولا شك أن الجهل في الناس من أعظم أسباب الرحمة يعني: أن ترحم غيرك لجهله فكما أن الناس يتراحمون لنقص في دنياهم؛ لنقص في المال، أو نقص في الصحة أو رؤية ... في شيء كريه في البدن في بدن غيره، فينكسر قلب المسلم لإخوانه رحمة لأجل هذه الحاجة الدنيا، فالذي يعلم حق الله -جل وعلا- وعظم مقاصده في خلق الخلق يكون في قلبه من الرحمة لهم إذ جهلوا أعظم مما يرحمهم به إذا كانوا في نقص في دنياهم.
ولذلك صار من أعظم أنواع التراحم وبث الرحمة هو العلم فنشر العلم من أعظم أنواع الرحمة بالعباد، والدعوة إلى الله -جل وعلا- بالعلم النافع الموروث عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - هذا من أعظم أسباب حصول الرحمة للمدعو وللداعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"الراحمون يرحمهم الرحمن".
وهذا يجعل طلاب العلم في كل حال يجعلهم ينتبهون لهذه اللطيفة المهمة، وهي أن مبنى هذا العلم على التراحم بدءا وانتهاء طلبا ونشرا له، وهذا من النية الصالحة التي يكسب بها العبد العلم، ويكسب بها بإذن ربنا -جل وعلا- الرحمة من الله -سبحانه-، هذه هي اللطيفة.
(1) - سورة إبراهيم آية: 7.