قال ابن الوردي رحمه الله:
ودَعِ الذِّكرَ لأيامِ الصِّبا ... فلأيامِ الصِّبا نَجمٌ أفَلْ
وهذه نصيحة قيمة، من هذا الإمام بقوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) : أي لا تتبجح بما حصل فيها من الذنوب؛ فإن أيام الصبا قد مضت.
أفل: نجمها وقد مضى، ومن شروط التوبة: أن يندم التائب على ما فرط، وعلى ما حصل منه من سوء، وأن يعزم على ألا يعود إلى ذلك بعد أن يقلع عن الذنب، أما المفتخر بالذنب الذي فعله، فهذا يدل على عدم صحة توبته، فالواجب على مقترف الذنب أن يتحسر، قال تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر:56] .
والافتخار بالذنوب من المجاهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» ، متفق عليه.
وفي بعض النسخ: (الذكرى) بألف مطوية، وهذا ما هو صحيح، والصحيح: بغير ألف (ودع الذكر) براء فقط، (لأيام الصبا) أي: دع تذكر ما مضى.
ذكر ابن الجوزي رحمه الله، في رسالة له بعنوان: «تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر» أن مواسم العمر خمسة: من أيام الولادة، إلى الخامسة عشره، يقال: غلام، ومن تلك السن إلى الخامسة والثلاثين: سن الشباب، ومن الخمس والثلاثين إلى الخمسين: تعتبر كهولة، وقد يقال: كهل لما قبل ذلك، ومن الخمسين إلى السبعين: شيخوخة، ومن السبعين حتى ينتهي العمر تعتبر هذا سن الهرم.
وارتباط هذا البيت بالذي مضى (اعتزل ذكر الأغاني. وقل الفصل وجانب من هزل) ، أن الهزل غالبًا يحصل في تلك السن خاصة في مثل الذين غير متورعين، فلهذا عقبه بهذا البيت.
قال رحمه الله: