فمن أسباب الغنى الحسي والمعنوي: هي العفة، ولا تكاد تجد صينًا دينًا يشغل نفسه بالنساء، والتغزل بهن، إنما يكون هذا عن طريق من علمتم من الشعراء، ومن فُتن من الناس، وإلا فأهل الصيانة والديانة، مشغولون بما هو أهم من ذلك، وأنت تعلم أنه قد يحصل العشق بمجرد السماع؛ رب أعمى يفتن بالصوت، إذا حصل خضوع، وهو أعمى، قال بعضهم:
لقد سمعنا بأوصاف لكم عظمت ... فسرنا ما سمعنا وأحيانا
من قبل رؤيتكم نلنا محبتكم ... والأذن قد تعشق قبل العين أحيانا
ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب:32] .
ويقول الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53] .
وفي «الصحيحين» من حديث عقبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء» قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» ؛ لأن هذا ذريعة للفتنة.
وقوله: (وقل الفصل) في كلامك، فإن الإنسان إذا عود نفسه كثرة المزاح، ربما أدى به إلى المجون، والماجن هو الذي لا يبالي بما يصنع، وربما أدى به كثرة مزاحه إلى كلام يغضب الله عليه، ولهذا مدح الله كلامه عزوجل: أنه فصل وليس بالهزل.
(وجانب من هزل) ، قل الفصل ولازم الحق، {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] ، وقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء:53] .