المقدمة: اعلم أولًا أن المجاز اختلف في أصل وقوعه فقال أبو إسحاق الأسفرايني وأبو علي الفارسي أنه لا مجاز في اللغة أصلًا كما عزاه لهما ابن السبكي في جمع الجوامع .
يعني أو من عرف في هذه التسمية والتصنيف في المجاز أبو عبيدة ألف في مجاز القرآن ولم يعرف له سلف وإن نقل عن الفارسي تلميذه أبو الفتح ان المجاز غالبًا على اللغات كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع وكل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية ،وإذا كان أسلوب مطروق في لغة العرب فهو حقيقة وليس بمجاز .
فمن أساليبها إطلاق الأسد على الحيوان المفترس المعروف وأنه ينصرف إذًا عند الإطلاق مما يدل على أن المراد غيره ومنة أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد والثاني يحتاج إليه لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فهو يحتاج إلى قيد وبعضهم لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه ،يعني مثله المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى على ما سيأتي الذي يعين المعنى المراد إما قرينة تدل عليه نعم هو تصريح من المتكلم وكل منهما حقيقة في محله وقس على هذا جميع أنواع المجازات وعلى هذا فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلًا كما حققه العلامة ابن القيم رحمه الله في الصواعق ،وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه .
ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل فقولك رأيت أسد يرمي يدل على الرجل الشجاع كما يدل لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس ،ولو قلت أيضًا رأيت أسد يقرأ فتلثمت يدل على أنك تريد أبخر ولكنه رجل وليس بأسد لأن الأسد أبخر أيضًا ،هو أبخر إذا كانت رائحته التي تنبعث من فمه قبيحة يسمونه أبخر .