وقد تكرر عند عامة النظار أن نقيض الكلية الموجبة جزئية سالبة فهذه المقدمة التي فيها النزاع وهو قوله كل جائز في اللغة جائز في القرآن كلية موجبة منتقضة بصدق نقيضها الذي هو جزئية سالبة وهي قولنا بعض ما يجوز في اللغة ليس بجائز في القرآن فإذا تحقق صدق هذه الجزئية السالبة تحقق نفي الكلية الموجبة التي هي قوله كل جائز في اللغة جائز في القرآن والدليل على صدق الجزئية السالبة التي نقضنا بها كليته الموجبة كثرة وقوع الأشياء المستحسنة في اللغة عند البيانين كإستحسان المجاز وهي ممنوعة في القرآن بلا نزاع ، فمن ذلك ما يسميه علماء البلاغة الرجوع وهو نوع من أنواع البديع المعنوي وحده الناظم بقوله:
وسمي نقض سابق بلاحق لسر الرجوع دون ماحق
فإنه بديع المعنى في اللغة عندهم وهو ممنوع في القرآن العظيم لأن نقض السابق فيه بالاحق إنما هو لإظهار المتكلم الوله والحيره من أمر كالحب مثلًا فإنه يظهر إنه ثاب له عقله ورجع له رشده فينقض كلامه الأول الذي قاله في وقت حيرته غير مطابق للحق كقول زهير:قف بالديار التي لم يعفها القدم بلا وغيرها الأرواح والديم
فقوله بلا وغيرها إلى أخره:عندهم ينقض به قوله لم يعفهاالقدم إظهار لأنه قال الكلام الأول من غير شعور ثم ثاب إليه عقله فرجع إلى الحق وهذا بليغ جدًا في إظهار الحب والتأثر عند رأية دار الحبيب ولا شك أن مثل هذا لا يجوز في القرآن ضرورة ومن الرجوع إلى أخره .
يريد أن يثبت أن هناك من الأساليب ما يستساغ في لغة العرب ولا يجوز نظيره في القرآن فليكن المجاز من هذا النوع وذكر لهذا أمثلة كثيرة رحمه الله وإذا ذكر شيء استطرد فيه ثم ذكر أشياء ذكروها أمثلة للمجاز .