لكن لو قال قائل: هل يجوز أن يشتروا من غنمه مقدار ضيافتهم، ثم يقولون: لم نشتر منك شيئا، فالجواب: لا يجوز هذا ؛ لأن عقد البيع معه عقد شرعي، وثبوت الحق في ذممهم ثبت بفعلهم، فلا يحل لهم إنكاره من أجل أخذ ضيافتهم، ومثل ذلك لو كان الزوج بخيلا لا ينفق على زوجته ما يجب لها، وقدرت على أن تأخذ شيئا من ماله بمقدار ما يجب لها من نفقة، فلها ذلك.
ودليله: أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، تعني: بخيلا، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني، ويكفي بني، فهل لي أن آخذ من ماله بغير علمه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: خذي من ماله ما يكفيك، ويكفي بنيك بالمعروف .
قال أهل العلم -رحمهم الله-: ووجه إباحة ذلك أن سبب وجوب الحق ظاهر معلوم، وهو الزوجية، والنزول ضيوفا، فلا يمكن أن يحصل بذلك اشتباه، وهذا من محاسن الشريعة وفقهها، ومثل ذلك أيضا من تجب نفقته على شخص بخيل لا يعطيه ما ينفقه عليه، فإن له إذا قدر على شيء من ماله أن يأخذ منه بالمعروف قياسا على حق الزوجة.
يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا
ثم قال الناظم -رحمه الله-:
قد يثبت الشيء لغيره تبع ... وإن يكن لو استقل لامتنع
كحامل إن بيع حملها امتنع ... ولو تباع حاملا لم يمتنع
هذه من القواعد التي ذكرها ابن رجب -رحمه الله- في كتابه"القواعد الفقهية"وهو أنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا.
يقول الناظم:
قد يثبت الشيء لغيره تبع ...
تبع أصلها تبعا، ولكن وقف عليها بحذف الألف، إما اتباعا للغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنصوب بالألف، أو من أجل مراعاة الروي، يعني: القافية، والمعنى أن الشيء قد يثبت تبعا لغيره، مع أنه لو استقل لكان محرما.
وله أمثلة ضرب منها الناظم مثلا: الحامل، فبيع الحمل منفردا حرام، لا يثبت، ولو بيعت بهيمة حامل لصح البيع ؛ ولهذا قال: