وفي قول الناظم:"تغليبا"إشارة إلى أن هذا الحكم من باب التغليب. والتغليب: طريق شرعي دلت عليه الأدلة الشرعية.
إن يجتمع مع مبيح ما منع ... فقدمن تغليبا الذي منع
الحكم يدور مع علته
قال الناظم:
وكل حكم فلعلة تبِع ... إنْ وجدت يوجد وإلا يمتنع
هذه أيضا من القواعد المهمة المفيدة، أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. وهذه قاعدة دلَّ عليها الدليل السمعي، دليلها قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث؛ من أجل أن ذلك يُحزنه .
فهنا حكم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريم التناجي بين اثنين ومعهما ثالث لا يشاركهما في التناجي، علل ذلك بأنه يحزنه. فنستفيد من هذه العلة أنه لو كان لا يحزنه، بل عذرهما بالتناجي بينهما، فإن ذلك لا نهي فيه، وكذلك يفهم منه أنه لو كان يحزن بغير المناجاة إذا كان الاثنان يتكلمان بلغة لا يفهمها ويحزنه ذلك، فإنهما منهيان عن التخاطب بهذه اللغة. كما لو كان ثلاثة اثنان منهما يجيدان اللغة الإنجليزية والثالث لا يجيدها، فجعل الاثنان يتناجيان باللغة الإنجليزية فهذا لا شك أنه يحزنه في الغالب، فنقول: لا يحل لهما أن يتناجيا باللغة الإنجليزية مع ثالث لا يعرفها لما في ذلك من إحزانه وكسر قلبه.
ومن ذلك أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم الخمر فقال: كل مسكر خمر فعلل التحريم، أو علل ثبوت الخمر بكونه مسكرا، فدل هذا على أن كل ما أسكر فهو خمر؛ سواء كان من عصير العنب أو من الشعير أو من التمر أو من الزبيب أو من غيرها، فإنه إذا وجد فيه الإسكار صار خمرا حراما. لماذا؟ لأن الحكم يتبع العلة؛ إن وجدت يوجد وإلا يمتنع.
قال الناظم:
وألغ كل سابق لسببه ... مع شرطه فادر الفروق وانتبه
الأسباب والشروط في الأحكام الشرعية