الصفحة 5 من 7

ثم بعد اتصافه بصفات الاجتهاد ينتقل إلى مقام بَذْلِ الجهد فيما علمه من القواعد وتفاصيل المدارك، فإذا بذل جهده ووجد حينئذ ما يصلح أن يكون فارقًا أو مانعًا أو شرطًا قائمًا في الفرع الذي يروم قياسه على كلام صاحب الشرع حرُمَ عليه القياس ووجب التوقف، وإن غلب على ظنِّه عدم جميع ذلك وأن الفرع مساوٍ للصورة التي نصَّ عليها صاحبُ الشرع وجب عليه الإلحاق حينئذ وكذلك مقلده.

وحينئذ بهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعًا أو نازلةً على أصول مذهبه ومنقولاته -وإن كثرت منقولاته جدًا-، فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما تقدم، كما أنَّ إمامَه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة رضي الله عنهم ولم يكن عالمًا بأصول الفقه حرُمَ عليه القياس والتخريج على المنصوصات من قبل صاحب الشرع، بل حَرُم عليه الاستنباط من نصوص الشارع؛ لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه.

فهذا الباب المجتهدون والمقلدون فيه سواء في امتناع التخريج، بل يفتي كلُّ مقلد وصل إلى هذه الحالة التي هي ضبط مطلقات إمامه بالتقييد وضبط عمومات مذهبه بمنقولات مذهبه خاصة من غير تخريج إذا فاته شرط التخريج، كما أنَّ إمامه لو فاته شرط أصول الفقه وحفظ النصوص واستوعبها يصير محدثًا ناقلًا فقط، لا إمامًا مجتهدًا، كذلك هذا المقلد.

فتأمل ذلك، فالناس مهملون له إهمالًا شديدًا، ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها، فصار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه، وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممَّن يتعمده، أو ما علموا أن المفتي مخبر عن الله تعالى ؟! وأنَّ من كذب على الله تعالى أو أخبر عنه مع [عدم] ضبط ذلك الخبر فهو عند الله تعالى بمنزلة الكاذب على الله ؟! فليتق الله تعالى امرؤ في نفسه ولا يقدم على قول أو فعل بغير شرطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت