مفسدةُ ضياعِ الحق الخاص محدودةٌ، ومقصورةٌ على صاحب الحق، أمّا مفسدةُ ضياعِ الدِّين، وذهابِ الشريعة فضررُها عامٌّ، وأثرُ ذلك ينال البشريةَ جمعاء.
ولهذا لمّا تعارضت مصلحة بقاء النفس، وهي مصلحة خاصّة، مع مصلحة بقاء الشريعة، وهي مصلحة عامّة، قدّم الله عزّ وجلّ مصلحة بقاء الدِّين، فقال سبحانه: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدِّين لله} {البقرة 193} .
قال الشيخ العلاّمة ابن سعدي رحمه الله: ولمّا كان القتال عند المسجد الحرام يُتوهّم أنّه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أنّ المفسدة بالفتنة عنده، من الشرك، والصّد عن دينه أشدّ من مفسدة القتل، فليس عليكم أيّها المسلمون حرج في قتالهم، ويُستدلُّ بهذه الآية على القاعدة المشهورة وهي: أنه يرتكب أخفُّ المفسدتين لدفع أعلاهما [1] .اهـ
• المبحث الثاني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشروطُ القبول
دلّت السنّة الصريحة بأحوالها المختلفة قولية، وفعلية، على أهمِّ شروط قبول الأخبار، ألا وهما الضبط والعدالة، بعضها صريح في الدَّلالة، وبعضها دون ذلك.
فأما ما يتعلق باشتراط الضبط، فإنَّ ما أخبر الله به عزّ وجلّ من حرص نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، و شدّة معالجته لحفظ القرآن الكريم، مخافة أن ينفلت منه لدليلٌ صريحٌ على هذا الشرط قال تعالى: {لا تحرّك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} {القيامة 16و17} ، وكذا قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} {طه 114} ، ففي الصحيحين من
(1) تفسير ابن سعدي عند نفسيره لهذه الآية من سورة البقرة.