فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 195

والمعروف أننا لا نجد مكانًا أجمل من الجنة في خيال المسلم فهي المكان الذي يختزل جمال أمكنة الدنيا جميعها، إذ لو جمعنا جمالها كله لما صاغ لنا عنصرًا واحدًا من العناصر الجمالية المكونة للجنة، بيد أن لنزار قباني جنتين إحداهما في الدنيا وثانيتهما في الآخرة، وجنة الدنيا هي دمشق، والعلاقة بين جنة نزار قباني في الدنيا وجنته في الآخرة ليست مجرد علاقة مشابهة وليست مجرد:"صورة منقولة عن الجنة، إنها الجنة" (20) ، ولأنه ينظر إليها كذلك في الواقع لا في الخيال، فحسب، يؤكد نزار قباني على أن كل:"الذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون (21) ."

من هنا ينحاز نزار قباني انحيازًا كليًا إلى دمشق لا بوصفها جسدًا منفصلًا عن جسده ولا بوصفها حمالة ذكرياته الطفولية وذكريات شبابه، وحمالة ثقافته فحسب، بل بوصفها من مكونات هذا الجسد:"إن جغرافية جسدي هي استمرار لجغرافية الشام، حتى إنني لا أعرف أين تبدأ تضاريس جسدي ولا أين تنتهي تضاريس قاسيون" (22) .

وفي موضع آخر يقول عنها إنها تحضنه، تشعله، تضيئه، تكتبه، ترسمه باللون الوردي، تزرعه قمحًا، وشعيرًا، وحروفًا أبجدية، تغير تقاطيع وجهه، تحدد طول قامته، تختار له لون عينيه، تؤكده، تجدده، تقبله على فمه فتغير ترتيب دمه (23) .

هذه المدينة، إذن، استثنائية جدًا لا يقابلها مكان آخر في عالم الواقع أي على وجه هذه المعمورة، ومن هنا وجب على الشاعر أن يجد لها لغة خاصة، لغة استثنائية، لغة لا وجود لها في معاجم الشعراء، لغة نزارية، قاموسها نزاري، لكن حروف أبجديتها من اختراع دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت